مع أطياف نهاية عام 2025، وفي ظل انشغال العالم بمآسٍ دامية تشهدها فلسطين والسودان وسوريا، وبقاع أخرى في الشرق الأوسط، وبعيداً عن أتون الحرب المستعرة في أوكرانيا، يتصاعد على الضفة الأخرى من الكرة الأرضية دخان أزمتين لا تقلّان خطورة.
بينما تزداد التهديدات الصينية تجاه تايوان، وتلوّح واشنطن بتدخل محتمل ومباشر في فنزويلا، هل يكون عام 2026 مسرحاً لصراعات جيوسياسية جديدة، تهدد بإعادة رسم خرائط النفوذ وتغيير موازين القوى العالمية؟
ومع أن الصراعين في تايوان وفنزويلا، قد يبدوان للوهلة الأولى متباعدين جغرافياً، إلا أنهما يشكلان في الحقيقة مشروعاً أميركياً متكاملاً لفرض الهيمنة المطلقة، خاصة في ظل إدارة ترامب الذي يتحرك وفق استراتيجية تهدف للسيطرة على مفاصل العالم وموارده.
فنزويلا: عملية "الرمح الجنوبي" والبحث عن الوقود
يطرح الكثيرون تساؤلاً جوهرياً: لماذا يريد ترامب، الذي وعد بإنهاء الحروب، فتح جبهة جديدة في فنزويلا؟ ولماذا يمضي في ذلك، رغم تحفظات قوية داخل الكونغرس وحزبه، بل وداخل حركته "ماجا" (MAGA) المناهضة للمغامرات العسكرية الخارجية؟
على الأرض، الحشد العسكري ضمن عملية "الرمح الجنوبي" يتحدث عن نفسه: 15 ألف جندي، وحاملات طائرات، وغواصات نووية في الكاريبي بانتظار الأوامر، مع إعلان صريح من قبل ترامب بأن "أيام مادورو، رئيس فنزويلا، معدودة".
ورغم الذرائع الأميركية المقدمة حول مكافحة المخدرات والهجرة، إلا أن الحقائق تؤكد أن الهدف الحقيقي هو "الوقود". فلا يخفى على أحد أن فنزويلا تمتلك أكثر من 300 مليار برميل نفط، وهي كمية تتجاوز احتياطيات السعودية. وبالتالي، فإنّ السيطرة على النفط الفنزويلي تمنح واشنطن سلاحاً لخفض الأسعار عالمياً، وكسر نفوذ روسيا وإيران والصين في "الحديقة الخلفية" لأمريكا.
تايوان: حماية "العقل" الإلكتروني وكسر الجدار
أما تايوان فلم تعد مجرد جزيرة، بل هي عاصمة التكنولوجيا و"عقل" العالم، الذي يمده بالشرائح الإلكترونية المتطورة. إن سقوط تايوان يعني امتلاك الصين لمفاتيح المستقبل، وهو ما دفع مستشار الأمن القومي السابق "روبرت أوبراين" للتلويح بسيناريو "الأرض المحروقة"، والتهديد بتدمير مصانع شركة TSMC (التي تنتج 90% من الرقائق المتطورة) في حال غزو الصين لها، خوفاً من وقوع هذه "الجائزة الكبرى" في يد بكين.
عسكرياً، تتحرك اليابان وتنشر صواريخها لحماية أمنها القومي، خوفاً من أطماع الصين في جزرها القريبة. وتايوان هي "حاملة الطائرات التي لا يمكن إغراقها"،ـ لذا فإنّ سقوطها يكسر الحصار الغربي حول الصين، ويمنح غواصات الصين النووية حرية الحركة في المحيط الهادئ.
استراتيجية "الردع المزدوج": من سيحكم العالم؟
والحقيقة، أنّ المعركة اليوم ليست على دولة أو جزيرة، بل هي إجابة على سؤال واحد: من سيحكم العالم في العقود القادمة؟
أميركا لا تريد غزو الصين لتايوان، لأن ذلك ينهي سيطرتها على التكنولوجيا (الرقائق)، ويكسر حاجز المحيط الهادئ، وهي في الوقت نفسه تريد غزو فنزويلا لطرد النفوذ الصيني والروسي والإيراني منها. لذا فهي تطبق عقيدة "تطهير الحديقة الخلفية" في فنزويلا، لترسل رسالة ردع للصين في تايوان، مفادها أن الحزم في إسقاط نظام مادورو هو "بروفة" لما يمكن فعله لحماية تايوان.
إن السيطرة على "عقل" تايوان و"وقود" فنزويلا، تهدف لجعل أميركا القوة الوحيدة التي لا يمكن خنقها اقتصادياً، برسالة واحدة ترسلها أميركا للصين مفادها: "ارحلوا عن منطقتنا الحيوية، ولا تحاولوا كسر النظام العالمي".
ختاماً، يبقى السؤال المعلق: هل تتهور أميركا في حرب ضدّ فنزويلا؟ أم أن هذا الحشد هو مجرد وسيلة لفرض "صفقة كبرى"؟ وكيف سيكون الرد الصيني على هذه "الكماشة" الأميركية التي تمسك بها من الشرق والغرب؟ وهل يمكن أن تسعى الصين إلى نقل المعركة إلى العمق الأميركي؟
لا شك في أنّ عام 2026 سيكون عام الحسم، عام الخرائط التي قد تشتعل فعليّاً، ويُعاد فيه رسم ملامح العالم من جديد…
أستاذة جامعيّة- باحثة سياسيّة
3 min read