الى متى؟

كانون الثاني 2026 الساعة 00:00
الى متى؟

A- A+

سؤال "إلى متى؟" ليس انفعالًا عابرًا، بل سؤال مرحلة تاريخية كاملة. وهو السؤال ذاته الذي يطرحه كل شعب يُذبح أمام كاميرات العالم، فيما النخب السياسية العالمية تمارس طقسها الأشد قسوة: غضّ البصر المتعمَّد.

ما يجري في غزة، وفي سوريا، وفي لبنان، ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل عرض واحد لمرض واحد:

انهيار الأخلاق في مركز النظام الدولي، لا في أطرافه.

لماذا تصمت النخب العالمية؟

لأننا نعيش لحظة الإمبراطوريات المتأخرة، حيث لم يعد المعيار هو الحق أو العدالة، بل المنفعة، التوازنات، والخوف من كلفة الاعتراف.

في غزة: يُبرَّر القتل باسم "الأمن".

في سوريا: يُعاد تصنيف المجازر على أنها "تعقيد طائفي".

في لبنان: يُختزل الدمار إلى "ساحة صراع إقليمي".

والنتيجة واحدة:

ضحايا بلا أسماء، وجرائم بلا جناة.

المجازر التي تطال الدروز، والعلويين، وبقية المكوّنات، تُعامَل بالطريقة ذاتها التي عوملت بها مجازر غزة:

ليس بالإنكار الصريح، بل بالتطبيع الصامت.

الصمت ليس حيادًا

أخطر أكاذيب النظام الدولي هي "الحياد".

الحياد في لحظة الإبادة انحيازٌ للأقوى، والصمت أمام المجزرة مشاركة مؤجَّلة.

النخب السياسية العالمية تعرف، ترى، وتقرأ التقارير نفسها التي نقرأها. لكنها اختارت أن تتعامل مع الدم كـكلفة جانبية، لا كجريمة.

وهنا جوهر الأزمة:

حين تُدار المجازر كما تُدار ملفات الاقتصاد والطاقة، فهذا يعني أن الأخلاق خرجت من معادلة القرار.

لماذا تتكرر المأساة في منطقتنا تحديدًا؟

لأن المشرق تحوّل، في العقل الإمبراطوري، إلى مساحة اختبار:

اختبار لمدى تحمّل الشعوب

اختبار لمرونة القانون الدولي

اختبار لحدود الصمت العالمي

وحين ينجح الاختبار مرة، يُعاد استخدام النموذج مرة بعد مرة.

غزة لم تكن استثناءً.

وسوريا لم تكن خطأً.

ولبنان ليس تفصيلًا.

كلها حلقات في سلسلة واحدة.

إلى متى؟

التاريخ يقدّم جوابًا قاسيًا لكنه صادق:

إلى أن يدفع الصمت ثمنه داخل مراكز القرار نفسها.

الإمبراطوريات لا تتغير بدافع التعاطف، بل حين تكتشف أن كلفة الجريمة صارت أعلى من كلفة العدالة. وحين تتراكم الفظائع، لا تختفي، بل تتحول إلى دين تاريخي يُطالَب بسداده لاحقًا، غالبًا بطرق فوضوية.

الخاتمة: ما الذي يبقى لنا؟

في لحظات كهذه، لا يكون الرهان على النخب العالمية، بل على:

الذاكرة

التسمية الصحيحة للأشياء

ورفض تحويل المجازر إلى أرقام أو نزاعات تقنية

أن نقول:

هذا قتل، لا "تصعيد".

وهذه إبادة، لا "أضرار جانبية".

وهذا صمت إجرامي، لا "تعقيد سياسي".

قد لا يوقف الكلام المجازر فورًا، لكنه يمنع الجريمة من أن تنتصر أخلاقيًا.

والتاريخ، مهما تأخر، لا يرحم من صمتوا. 

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration