في مسافة لا تزيد عن 30 متراً منتصف بولفار مدينة طرابلس شمالي لبنان، تراصفت "الرومانس"، و"البالاس"، و"الأوديون"، و"الشهرزاد"، والمتروبول". 5 دور سينما استضافت أفلام زمن السينما الذهبي، وإذ تؤشر على شيء، فعلى غزارة الوجود السينمائي في طرابلس.
لكن هذه المسافة القصيرة تعطي فكرة، ولا تعبر عن غنى السينما الطرابلسية، فعلى بعد نحو 100 متر أقيمت سينما "كابيتول"، وقبالتها "الريفولي" التي أزيلت منذ سنوات قليلة لصالح مبنىً تجاري، وقبلها قليلاً سينما "روكسي" الواقعة على تقاطع البولفار وشارع التل- المصارف، ويحمل التقاطع اسمها.
بعد "روكسي"، وعلى شارع التل، أقيمت سينما "دنيا" التي اختصت بالأفلام العربية، وفي شارع متفرع عن التل، قبالة "دنيا"، سينما "الأوبرا"، التي يمكن العودة منها ببساطة إلى البولفار حيث الصالات التي سكن فوق إحداها أشهر السينمائيين اللبنانيين، جورج نصر، صاحب فيلم "إلى أين؟" الذي نقل لبنان مبكّراً إلى العالمية عبر اشتراكه بمهرجان "كان" أواسط خمسينيات القرن الماضي.
من "دنيا" باتجاه عمق شارع التل، التفافة على اليمين حيث تقع أولى دور السينما الحديثة وهي "أمبير" التي بقيت تعمل ببطء، إلى أن تولتها جمعية "تيرو" للثقافة بريادة قاسم اسطنبولي الذي حوّلها إلى مسرح دائم يُطِلُّ على ساحة التل الفسيحة المعروفة بساحة جمال عبد الناصر، وعند زاوية من زوايا الساحة، تقع سينما "الحمراء"، ملتصقة بمقهى "فهيم" الشهير، وإذا شئنا التقدم في "التل"، فعند تفرّع متقدم منه قامت سينما "ركس" التي اختصت مثل "دنيا" بالسينما العربية، وأزيلت في ثمانينيات القرن الماضي ليحل محلها سوق للثياب.
وفي عودة إلى بولفار طرابلس، وعلى الصف عينه الذي وقعت عليه الصالات الخمس، وبعدها "الكابيتول"، قامت أحدث السينمات، وأفخمها على الإطلاق، وهي سينما "كولورادو" التي اتسعت لــ 900 مقعد توزعت بين "الأوركستر" و"البلكون" و"البينوار"، وعُرفت بـــ "نجمة الصالات".
لم يقتصر وجود دور السينما الحديثة على التل، فعند متفرعاته، وفي الأحياء المختلفة من المدينة، قامت العديد من دور السينما حتى في أكثر المناطق فقراً كالتبانة التي احتضنت دارتي سينما، وباب الرمل التي احتضنت واحدة هي سينما "الشرق"، وسواها العديد من الدور المنتشرة هنا وهناك، وتناهز الـــ 35 داراً.
الدور الحديثة بدأت مع "الأمبير" سنة 1932، صاحبها من آل شاهين من بيت ملات العكارية، والد الذاكرة السينمائية اميل شاهين، وأسّسها يوم كان يهمّ ببناء المبنى الذي قامت في أسفله، ولا يزال المبنى قائما بخمس طبقات على الأقل.
بين 1932، تاريخ تأسيس "الأمبير"، و1953، تاريخ تأسيس "كولورادو"، قامت معظم دور السينما الحديثة التابعة لعصر السينما الذهبي في القرن العشرين، وقبل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية 1975. ثم أسست دارتان في الأحياء الأكثر حداثة: "سارولا" في شارع الثقافة، و"بالاديوم" في شارع المطران، في ثمانينيات القرن الماضي.
عجّت ساحات الصالات بالازدحام عندما كانت كل هذه الدور تعمل معاً من دون توقف، لثلاثة عروض يومية، ومن الأفلام الشهيرة التي تحولت عروضها لما يشبه المهرجانات أفلام: "قصة حب" (Love Story)، و"ذهب مع الريح" (Gone with the Wind)، و"لحن الموسيقى" (Sound of Music)، و"سيدتي الجميلة" (My Fair Lady)، و"في حرارة الليل" (In the Heat of the Night)، و"أحدب نوتردام" وسواها.
بعض الدور خصّصت صالاتها لنوع محدد من الأفلام، منها أفلام الكاراتيه في سينما "الأمبير"، بينما انتشرت أفلام الكاوبوي بين "البالاس" و"المتروبول"، أما "الكابيتول" فقد تخصّصت بالأفلام العربية من دون الاقتصار عليها، وشهدت صالة "الريفولي" الُمزالة فيلم "أبي فوق الشجرة" وقد استمرت عروضه عدة أسابيع، وربما كان أطول فيلم جرى عرضه في تاريخ السينما الحديثة الطرابلسية.
إلّا أن السينما وصلت المدينة قبل ذلك مع "خيال الظلّ" في المقاهي في أحياء المدينة الداخلية في القرن الــ 19، ليتبعها مسرح "الانجا" الذي عرف لاحقاً بـــ "زهرة الفيحاء"، ويعتبر بحق من أرقى الدور الذي ضاهى دار "الاوبرا" في القاهرة، واستضاف فناني العرب من مغنين ابتداء من سيد درويش، سلامة حجازي، فتحيّة أحمد، يوسف وهبي، ومن الفنانين الكبار أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وعبد الحليم حافظ، وفريد الأطرش، كما استضاف الفرق الراقصة كفرقة بديعة مصابني (طرابلسية الأصل) وساميا جمال، وسواهما، حتى يكاد لا يغيب اسم فنان من ذلك العصر إلّا وقدّم من عروضه في "الانجا".
اكتسب "الانجا" اسمه من مؤسسه والي طرابلس حسن الانجا زمن العثمانيين، وقد شيده نحو سنة 1896، وظل يحمل اسمه طالما استمر في العمل بيد ورثة الانجا حتى أواسط الثلاثينيات، عندما تخلّى آل الانجا عنه لصالح الطرابلسي ألفرد الحكيم الذي استثمر في السينما، فحوّله سنة 1935، إلى دار سينما، وأطلق عليه اسم "البيروكيه"، وجرت فيه أولى عروض فيلم "الجميلة النائمة" (Sleeping Beauty).
شهد مسرح الانجا أكبر الحفلات والأسماء، واستضاف العديد من المسرحيات حتى اقتصر عمله لاحقاً على العروض السينمائية حتى مطلع الحرب الأهلية، فتوقف، وتضرر، إلى أن تهدّم على يد إحدى الشخصيات الطرابلسية النافذة.
سينما "كولورادو"
يُفتح ملف السينما في طرابلس نظراً لما بدأت تتعرض له أهم دار في المدينة وهي "كولورادو"، فبعد مضي 10 سنوات على إعلانٍ لبيع العقار، اشتراه أحد التجار، وبدأ تحضيره ليكون سوقاً للثياب، وبدأت إزالة معالمه، وكراسيه، وكل ما يمت للسينما فيه بصلة.
محبوّ الثقافة والفنون راعهم هول المشهد، ولم يكن أحد منهم يستطيع الوصول به إلى حلٍّ من نوع آخر، فبدأت أصوات ترثي الدار، وارتفعت منزعجة من المصير البائس الذي بلغه، لكن بعد فوات الأوان، وفقدان أي طريق لحلٍّ بديل، ذلك أنه ملك خاص، وبيعه شأن خاص تحميه القوانين.
يذكر كتاب "السيلما - العرض الأخير" للمخرج اللبناني، هادي زكاك، أنه في أوائل خمسينيات القرن الماضي، استدعى الطبيب الطرابلسي الشهير، نقولا نيني، أحد أهم مهندسي المدينة آنذاك وهو جورج دوماني وطلب منه وضع هندسة جميلة لدار السينما التي أزمع على إقامتها في عقار له حيث ما تزال حالياً تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولئن تعرضت غالبية دور السينما إلى الإهمال، وتغيير وجهة الاستعمال، ومعظمها كمستودعات للتجار، وبقي بعضها مقفلاً، ولا يزال، إلّا أن "كولورادو" بيعت لكي تُزال، ويحل محلها نمط آخر من العمل الاستثماري.
2 min read