لماذا تتزايد الظواهر المناخية المتطرفة حول العالم؟

لماذا تتزايد الظواهر المناخية المتطرفة حول العالم؟

A- A+

من العواصف المتفاقمة إلى الموجات الباردة القاسية، ومن الجفاف الطويل إلى موجات الحر غير المسبوقة، باتت الظواهر المناخية المتطرفة أكثر حضورًا وحدّة مما كانت عليه في أي وقت مضى. مشاهد لم تعد استثنائية، بل تتكرر بوتيرة لافتة، وتثير تساؤلات متزايدة حول أسباب هذا التغيّر المتسارع.

عرف العرب قديمًا الموجات الحارة وسمّوها «الوغرات»، غير أن هذه الظواهر اليوم باتت أطول زمنًا، أشد تأثيرًا، وأكثر تكرارًا، إلى حدّ أن فصل الصيف نفسه أصبح في كثير من المناطق موجة حر ممتدة. ويرى العلماء أن هذا التطرف المناخي ليس نوعًا جديدًا من الطقس، بل نتيجة مباشرة لارتفاع حرارة نظام مناخي كان متوازنًا بدقة على مدى آلاف السنين.

فعندما ترتفع حرارة الغلاف الجوي والمحيطات نتيجة تراكم غازات الدفيئة، لا تتغير فقط متوسطات الطقس، بل تتحرك معها الحالات القصوى. ويشبّه العلماء توزيع درجات الحرارة بمنحنى جرسي، حيث تمثل القيم المتوسطة الأيام العادية، بينما تقع الموجات الحارة الشديدة والموجات الباردة القاسية عند أطراف هذا المنحنى. ومع الاحترار العالمي، يتحرك المنحنى بأكمله نحو الأعلى، فتتحول الظواهر التي كانت نادرة إلى أحداث أكثر تكرارًا، وتصبح الأرقام القياسية أسهل تحقّقًا.

وتتفاقم موجات الحر بفعل عامل إضافي هو جفاف التربة. فالتربة الرطبة تساهم في تبريد الهواء عبر التبخر، لكن مع تزايد الحر والجفاف، تفقد الأرض هذه القدرة، فتتحول طاقة الشمس إلى تسخين مباشر للهواء، ما يؤدي إلى تضخّم الموجات الحارة وإطالة مدتها. وتصف الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ هذه الظاهرة بأنها «حدث مركّب»، حيث تتفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه، فيزيد كل منها من شدة الآخر.

ولا يقتصر التأثير على الحر وحده، إذ إن ارتفاع حرارة الهواء يزيد قدرته على حمل بخار الماء بنحو 7% مع كل درجة مئوية إضافية، وفق علاقة «كلوزيوس–كلابيرون» المعروفة. وهذا يعني وقودًا مائيًا أكبر للعواصف، ما يؤدي إلى أمطار أغزر في فترات زمنية أقصر، ويزيد من مخاطر الفيضانات المفاجئة.

أما المحيطات، بوصفها الخزان الحراري الأكبر، فإن تسخينها يغيّر ديناميكية الغلاف الجوي ككل، ويعزز التبخر والرطوبة، ويغذي الأعاصير المدارية، ما يجعلها أشد عنفًا وأكثر قدرة على إحداث أمطار غزيرة ورياح مدمّرة، مع ارتفاع متوقع في نسبة الأعاصير من الفئات الأقوى.

ويساهم ذوبان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر في جعل العواصف الساحلية أكثر تدميرًا، إذ باتت المياه تنطلق من خط أساس أعلى، فتغمر مساحات أوسع من اليابسة، خاصة مع تربة أكثر جفافًا وأقل قدرة على امتصاص المياه.

والمفارقة أن التغير المناخي قد يسهم أيضًا في تفاقم بعض الموجات الباردة. فالغلاف الجوي الأدفأ يحمل رطوبة أعلى، ما قد يؤدي إلى تساقط ثلوج أثقل عند توافر هواء بارد. كما يشير بعض العلماء إلى أن الاحترار العالمي يزيد من اضطراب «الدوامة القطبية»، ما يسمح لكتل هوائية شديدة البرودة بالاندفاع جنوبًا إلى مناطق لم تكن معتادة على مثل هذه الظروف.

ويحذّر الخبراء من اختزال التغير المناخي في مجرد ارتفاع طفيف في درجات الحرارة، مؤكدين أن المناخ منظومة معقدة شديدة الترابط، حيث يمكن لتغير صغير أن يطلق سلسلة من التفاعلات المتتالية، على غرار «تأثير الفراشة»، فتتضخم النتائج وتتحول إلى ظواهر متطرفة ذات آثار واسعة على الإنسان والبيئة والاقتصاد.


Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration