كيف أعاد سقوط ريال مدريد مورينيو إلى الحياة؟

شباط 2026 الساعة 00:00
كيف أعاد سقوط ريال مدريد مورينيو إلى الحياة؟

A- A+

لم يكن سقوط ريال مدريد في لشبونة مجرد هزيمة أوروبية عابرة تُسجَّل في دفاتر النتائج، بل كان لحظة بعثٍ لرجلٍ ظنّ كثيرون أن الزمن قد تجاوزه. جوزيه مورينيو لم يستعد حضوره الكروي لأن فريقه انتصر فحسب، بل لأن الخصم كان ريال مدريد تحديدًا، ولأن تلك الليلة أعادته إلى المكان الذي يشعر فيه بأنه ينتمي حقًا: مسرح الكبار.

رحلة مورينيو مع بنفيكا لم تبدأ بسهولة منذ اليوم الأول. فقد وصل إلى نادٍ يعيش حالة من الاضطراب الداخلي، في ظل انتخابات رئاسية مشتعلة، ووضع إداري يفتقر إلى الاستقرار والوضوح. لم يجد المدرب البرتغالي فريقًا مُصممًا وفق متطلباته أو منسجمًا مع فلسفته، إذ كان التشكيل مبنيًا في الأساس على رؤية المدرب السابق برونو لاج، ويعاني نقصًا واضحًا في العناصر المحورية القادرة على تنفيذ أفكار مورينيو التكتيكية.

وزادت الصورة تعقيدًا مع رحيل أسماء مؤثرة عن الفريق، مثل أنخيل دي ماريا، ألفارو كاريراس، وأوركون كوكجو، في وقتٍ كان فيه بنفيكا بأمسّ الحاجة إلى الاستقرار الفني. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ تعرّض الفريق لسلسلة من الإصابات القاسية التي طالت لاعبين بارزين، من بينهم باه، مانو، بروما ولوكيباكيو، ما أفقد الفريق توازنه وأثر بشكل مباشر على مردوده داخل الملعب.

وما جعل المهمة أكثر صعوبة أن مورينيو تسلّم الفريق دون المرور بفترة إعداد تقليدية للموسم، وهو ما جعل المشكلات البدنية وتراجع الجاهزية أمرًا شبه حتمي. تلك الظروف كانت كفيلة بإرباك أي مدرب، لا مورينيو وحده، وقد حدث ما كان متوقعًا: أداء متذبذب، وضغوط متزايدة، وانتقادات لم تتوقف.

لكن وسط هذا المشهد المعقّد، جاء انتصار لشبونة ليُغيّر كل شيء. لم يكن مجرد فوز، بل إعلانًا صريحًا بأن جوزيه مورينيو لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

إعادة ابتكار الذات في سن الثالثة والستين

رغم كل هذه الظروف، لم تتوقف الانتقادات. وُجهت لمورينيو اتهامات بالتحفظ الزائد واللعب بأسلوب عملي مفرط، لكن الأرقام جاءت لتدحض هذه الرواية.

يمتلك بنفيكا ثاني أقوى هجوم في الدوري، وثالث أعلى معدل استحواذ على الكرة بنسبة 58%، كما يُعد ثاني أكثر الفرق تسديدًا على المرمى ولمسًا للكرة داخل منطقة جزاء الخصوم.

إضافة إلى ذلك، فهو الفريق الأكثر استعادة للكرات في الثلث الهجومي الأخير، وأحد أقل الفرق التي تمنح منافسيها فرصًا حقيقية للتسجيل. وأمام ريال مدريد، سدد رجال مورينيو 20 كرة على مرمى تيبو كورتوا.

ويُعلّق البعض ساخرًا: «ليس الجميع قادرًا على أن يكون بيب جوارديولا»، لكن ما يقدمه بنفيكا يناقض هذه السخرية تمامًا.

الفريق لم يخسر في 19 مباراة متتالية في الدوري، وهو رقم لم يتحقق منذ موسم 2012-2013. وفي سن الثالثة والستين، أعاد مورينيو ابتكار نفسه من جديد.

ولا يزال يحتفظ بطموحه المعروف، يقضي ساعات طويلة في ملعب التدريب، يتابع فرق الشباب عن قرب، ينام هناك، يتناول طعامه هناك، ويبدو — قبل كل شيء — سعيدًا في بنفيكا.

مورينيو يرفض الحديث عن الموسم المقبل. تركيزه منصبّ بالكامل على مواصلة تطور الفريق وتعزيز قدرته التنافسية، رغم التأخر بعشر نقاط عن متصدر الدوري.

رفعوا أصواتهم بعد شهور من الصمت

كان الفوز على ريال مدريد استثنائيًا، ليس فقط لأنه الأول أمامهم، بل لما يحمله من قيمة عاطفية عميقة. بدا مورينيو متأثرًا بشكل واضح. ونقلت صحيفة "ماركا" الإسبانية عن مصادر مقربة منه قولها: "لقد اشتاق إلى المباريات الكبيرة والليالي التاريخية. هذا الفوز، في بلاده ومع نادٍ يعشقه، كان له أثر بالغ عليه".

بعد المباراة، تحدث لفترة وجيزة مع ألفارو أربيلوا، تمنّى له التوفيق واعتذر عن احتفاله الصاخب. لم يتمكن من اللقاء بفلورنتينو بيريز، الذي غاب عن المدرجات، رغم أن اتصالًا هاتفيًا جمع بينهما لاحقًا.

ما فعله مورينيو فعليًا هو رفع صوته ردًا على الانتقادات القاسية التي لاحقته لأشهر. قال في المؤتمر الصحفي: "الشيء الوحيد الذي أتمناه من هذا الفوز هو قليل من الاحترام. أناشد الكثيرين ألا يفكروا في الانتحار أو القفز من الشرفات، وأن يهدأوا. بنفيكا سيخسر، وسيتم سحقنا مرة أخرى، هذا وارد. كل ما أطلبه هو قليل من الاحترام لبنفيكا ولاعبيه".

عودة النجم الغائب

واعترف المقربون منه: «كان هذا الموسم صعبًا للغاية، لقد مرّ بمرحلة قاسية حقًا».. فبعد الخروج المبكر من كأس الدوري أمام براغا، ثم الإقصاء من كأس البرتغال على يد بورتو في مباراة كان بنفيكا يستحق الفوز بها، بدا الطريق شاقًا. وبين الإصابات وسوء الحظ، كانت الصدمة النفسية كبيرة.

لكن أمام ريال مدريد، ظهر النجم الذي غاب طويلًا.. ومرة أخرى، جمعت تقلبات القدر جوزيه مورينيو بريال مدريد، في مواجهة فاصلة ضمن دوري أبطال أوروبا. وبعد ليلة الانتصار في لشبونة، سيعود المدرب إلى ملعب سانتياغو برنابيو، مسرح ذكرياته ومعاركه الكبرى.

"ريال مدريد سيخوض المباراة بكل قوته، وسيبحث عن الثأر"، هكذا يُقال. ستكون مواجهة في غاية الصعوبة، وصدامًا جديدًا مع النخبة التي لطالما شعر مورينيو بالانتماء إليها.

مهما كانت النتيجة، فإن هذه الليلة أكدت حقيقة واحدة بدت وكأنها نُسيت: "جوزيه مورينيو عاد إلى الساحة الكروية الكبرى… ولا يزال في أوج عطائه".

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration