استعرض التقرير العالمي، الذي أصدرته منظمة «هيومن رايتس ووتش» للعام 2026، يوم الخميس 4 شباط ، ممارسات حقوق الإنسان في نحو 100 دولة، وقد جاء في افتتاحيته على لسان فيليب بولوبيون، المدير التنفيذي في المنظمة، إن «كسر موجة الاستبداد التي تجتاح العالم هو تحدي العصر، في ظل التهديد غير المسبوق الذي تتعرض له منظومة حقوق الإنسان، من قبل إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب، وقوى عالمية أخرى».
وفي ما يخص الشأن السوري، الذي احتل مساحة واسعة من صفحات التقرير، التي بلغ عددها 529 صفحة، أكد أن «الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية خلال العام 2025 ، لتعزيز مسار العدالة والمساءلة عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة، خلال عهد الرئيس السابق بشار الأسد، تشير إلى بداية تحول في ملف حقوق الإنسان في سوريا بعد سنوات طويلة».
لكن التقرير حذر أيضا من «غياب الشفافية بشأن مسؤولية كبار القادة عن أعمال العنف الأخيرة في سوريا، على الرغم من إنشاء هيئات حكومية جديدة تعنى بالعدالة الانتقالية، وكشف مصير آلاف المفقودين»، مشددا على أنه وبرغم «إجراء تحقيقات موثوق بها، فإن السلطات لم توضح كيف ستحاسب أصحاب السلطات القيادية المتورطين».
وكان نائب مديرة الشرق الأوسط في المنظمة آدم كوغل، قد انتقد أداء السلطات السورية قائلا «جعلت السلطات السورية الجديدة من مسار العدالة والمساءلة أولوية، لكن هذه الجهود لا يمكن أن تكون انتقامية، أو أحادية الجانب، للانتقال بسوريا إلى حقبة جديدة تحترم الحقوق»، وأضاف أن «على السلطات السورية أن تضمن المساءلة الشاملة عن الانتهاكات التي ارتكبتها جميع الأطراف قبل كانون الأول 2024 وبعده، وألا تكتفي بالتدقيق في الجرائم الفردية، بل تلاحق في المسؤولية المؤسسية أيضا».
وفي مجال التوصيات طالب التقرير السلطات السورية بـ«الانضمام إلى نظام روما (2002) للمحكمة الجنائية الدولية»، و «تقديم إعلان يمنح المحكمة الولاية القضائية على الجرائم الماضية»، كما طالب التقرير بـ«تعزيز التعاون مع آليات المساءلة الدولية، بما يشمل آليات الأمم المتحدة، والسماح لها بالوصول» جنبا إلى جنب بضرورة «إجراء إصلاحات أمنية شاملة، وإقصاء المقاتلين الذين ارتكبوا انتهاكات من قواتها الأمنية، وفرض هياكل قيادة، ومدونات سلوك واضحة».
الجدير ذكره في هذا السياق، أن «هيومن رايتس ووتش» كانت قد أصدرت في 23 أيلول الفائت، تقريرا خاصا بالأحداث التي شهدتها مناطق الساحل في شهر آذار الذي سبقه، وجاء بعنوان «أنت علوي»، وهو يوثق «الاستهداف القائم على الهوية خلال المرحلة الانتقالية في سوريا». وقد أشار التحقيق إلى اعتراف اللجنة نفسها (يقصد اللجنة المشكلة من قبل الحكومة السورية التي أفرجت عن تقريرها الأولي 22 تموز 2025)، بأن قوات الأمن ارتكبت انتهاكات شهر آذار بمناطق عدة بالساحل السوري، سقط فيها نحو 1426 ضحية».
كما أصدرت المنظمة يوم 15 كانون ثاني المنصرم تقريرا خاصا بالأحداث الدامية، التي عاشتها مدينة السويداء في شهر تموز من العام الماضي، وفيه وثقت لـ«86 حالة قتل يفترض أنها غير قانونية، وشملت 67 مدنيا درزيا، و 29 بدويا»، كما تحقق التقرير من «7 حوادث قتل تعسفية حدثت ما بين 14 - 19 تموز 2025، قتلت فيها القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها 54 مدنيا درزيا على الأقل، ومن بينهم أطفال».
وفي تعليق له على تقرير «هيومن رايتس ووتش»، ذكر مصدر مسؤول بوزارة العدل السورية في اتصال مع «الديار» أن «تقرير المنظمة كان مهنيا بدرجة لا بأس بها، لكنه تعمد إغفال الصعوبات التي كان يمر بها كيان الدولة الوليدة، والتي أتاحت وجود العديد من الثُغر التي كان من الصعب تلافيها، بدرجة تمنع وقوع أخطاء كبرى كالتي حدثت».
أما الحقوقي فايز سلطان فقد ذكر أن «السلطة لم تجر محاكمات حقيقية، وهي تعمدت على الدوام وصف ما يحصل على إنه أحداث مؤسفة»، وأضاف أن «ذلك هو الذي دفع الناس لتتحدث عن مشاريع الحماية الذاتية، كضرورة مستديمة لا كترف مرحلي في الساحل، وقابله في السويداء تراجع الأصوات التي كانت على قبول أولي بالتفاهم مع دمشق».
وفي اتصال أجرته «الديار» مع مؤسس ومدير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» فضل عبدالغني، ذكر إن «تقرير هيومن رايتس ووتش يقدم قراءة لمفترق الطرق، الذي يقف عنده مسار العدالة في سوريا، فهو يؤكد أن جعل العدالة والمساءلة أولوية سياسية لا يكفي بذاته، ما لم يترجم إلى نهج شامل وغير انتقائي يطال جميع الأطراف». وأضاف «أعتقد أن التحدي الحقيقي يتعلق بقدرة الدولة على بناء أطر قانونية ومؤسسية صلبة، تمكن من مقاضاة الجرائم الدولية الجسيمة، وفق ضمانات المحاكمة العادلة، وبما يضمن مشاركة الضحايا مشاركة ذات معنى، في تصميم مسارات المساءلة وتنفيذها».
ونوه بأن توصيات التعاون مع الآليات الدولية ، و «الانضمام إلى نظام روما الأساسي، وتعزيز اجراءات استبعاد المتورطين من الأجهزة الامنية، خطوات مهمة من حيث الاتجاه، ويجب أن تقرن بمعايير شفافة قابلة للقياس، وبإصلاح عميق لقطاع الأمن والقضاء، يضمن عدم تكرار الانتهاكات، ويعيد بناء الثقة العامة».
4 min read