سوريا تطوي مرحلة صعبة... ترامب يُلغي <قانون قيصر>

سوريا تطوي مرحلة صعبة... ترامب يُلغي <قانون قيصر>

A- A+

تخضع سوريا منذ أكثر من أربعة عقود لسلسلة من العقوبات، التي راحت الإدارات الأميركية المتعاقبة تعلي من سقوفها بدوافع عدة. فالبعض منها كان ذا علاقة بالدور الإقليمي السوري، في حين كان البعض الآخر ذا علاقة بسياسات النظام الداخلية.

ومع بدء الإحتجاجات السورية في آذار 2011، استخدمت واشنطن سيف العقوبات بشكل مكثف، في محاولة منها لزيادة الضغط على نظام بشار الأسد، بغرض دفعه للإبتعاد عن العنف، والسماح بحدوث انتقال سياسي في البلاد، التي لم تعرف على مدى نحو نصف قرن، سوى حاكمين اثنين هو وأبيه. ومع تصاعد وتيرة العنف في البلاد، ذهبت واشنطن إلى إقرار <قانون قيصر» في العام 2019، الذي شكل عقبة كبيرة أمام الإقتصاد السوري، حال بينه وبين الصمود أمام التحديات التي واجهته. والمؤكد هو أن تلك العقوبات كانت الأقسى مما تعرضت له دولة، بحجم وقدرات الدولة السورية.

بتوقيع الرئيس الأميركي يوم الخميس الماضي، على قانون تفويض وزارة الدفاع الوطني للعام 2026، المتضمن بندا لإلغاء العقوبات المفروضة على سوريا بموجب <قانون قيصر»، تكون البلاد قد طوت مرحلة صعبة من تاريخها، ومضت نحو فتح صفحة جديدة، من شأنها أن تمهد الطريق لعودة الإستثمارات والمساعدات الأجنبية، اللازمين لإنعاش اقتصاد مثقل بالكثير. والخطوة التي لاقت صدى واسعا بين السوريين، كان قد ظهر عبر منشوراتهم على <المربع الأزرق»، التي عبروا من خلالها عن أنهم باتوا الآن <أكثر قدرة على تنفس الصعداء».

كما لاقت ترحيبا كبيرا من قبل الحكومة السورية، وقد جاء في بيان وزارة الخارجية <ترحب الجمهورية العربية السورية بالإزالة النهائية لقانون قيصر، وما تضمنه من إجراءات أثرت على مختلف مناحي الحياة المعيشية والإقتصادية»، كما عبر البيان عن <الشكر للولايات المتحدة وللدول الشقيقة والصديقة، التي أسهمت عبر مواقفها وجهودها الديبلوماسية، في دعم المساعي الرامية إلى إنهاء العقوبات».

واقع الأمر أن <حكاية» السوريين مع العقوبات الأميركية لا تقتصر فحسب على <قانون قيصر»، الذي كان هو الطبعة الأعتى منها. وإلغائها على أهميته لا يشكل سوى نافذة، يمكن أن تتيح للإقتصاد السوري قدرا من <الأوكسجين» اللازم لمده بالحيوية، التي تمكنه من القيام بالمهام المنوطة به.

فالحكاية كانت قد بدأت في شهر كانون أول من العام 1979، عندما أدرجت واشنطن سوريا على قائمة <الدول الراعية للإرهاب»، على خلفية قيامها بدعم تنظيمات وفصائل مسلحة عاملة على الساحتين اللبنانية والفلسطينية، وقد مهد ذلك إلى فرض قيود واسعة على المساعدات الأميركية، وتقييد العلاقات الإقتصادية بين البلدين، بما فيها تقييد صادرات السلاح والتكنولوجيا، وفرض قيود مالية وسياسية، من شأنها أن تؤثر على قدرة سوريا على التعامل مع المنظمات والمؤسسات الدولية.

وعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة عقود على ذلك التصنيف، بكل ما حملته تلك المدة الطويلة من تحولات اقليمية و دولية، إلا أن واشنطن لم تقدم حتى اليوم على رفع اسم سوريا من تلك القائمة، الأمر الذي يعني أن جميع العقوبات والقيود لا تزال سارية المفعول حتى الآن، بالرغم من مصادقة الرئيس الأميركي على إلغاء <قانون قيصر>.

ما تشير إليه المعطيات السابقة، إلى جانب الشروط التي تضمنها قرار الإلغاء ، والتي سبق لرئيس <المجلس السوري - الأميركي» فاروق بلال أن قال عنها بأنها <غير ملزمة»، هو أن آلية جديدة جرى وضعها في أروقة غرف صناعة القرار في واشنطن حيال سوريا، وهي تقوم أساسا على الإنتقال من العقوبات الشاملة إلى نظام مراقبة مشددة. بمعنى آخر، فإن الإلغاء من شأنه أن يضع دمشق تحت <مجهر» المراقبة الأميركية التي ستحدد إذا كانت سوريا عازمة على الإلتزام بما هو مطلوب منها، وأبرزه أمران: الأول <امتناعها عن القيام بأي عمل عسكري أحادي الجانب ضد دول الجوار»، والثاني <مساعدة التحالف الدولي في محاربة «تنظيم الدولة»، وضمان عدم عودة النفوذ الإيراني إلى الساحة السورية»، حيث غياب «العزم» من شأنه أن يعطي الرئيس الأميركي الحق في فرض عقوبات جديدة، سواء أكان ذلك على أشخاص أم على الحكومة السورية نفسها.

الآن، وبعدما أتاحت أميركا الفرصة للإقتصاد السوري باستعادة بعض من توازنه، وهذه الفرصة لا شك في أنها سوف تتسع وتتسع، كلما أبدت دمشق جدية في التعاطي مع  الملفات المطلوبة منها، والتي وافقت على أدق تفاصيلها بالتأكيد. لكن ذلك لا يمثل شرطا لازما وكافيا لدخول البلاد مرحلة التعافي، التي لن تكون إلا ضمن معادلات داخلية، هي أكبر وأهم بكثير من قرار <الكونغرس الأميركي»، القاضي برفع جزئي ومشروط للعقوبات عنها. 

المزيد من مانشيت

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration