مرة جديدة تدخل "لعبة" المصالح بين مراكز القوى المالية والسياسية على "خط" تمديد ازمة الودائع. فيما تبدو البلاد مقبلة على موجة من التوتر على وقع حملة ضغوط جديدة عنوانها الاعلان عن انتهاء المرحلة الاولى من "حصر السلاح" والانتقال الى مرحلة ثانية شمال الليطاني، وبينما يرفض حزب الله اي نقاش حول هذا الملف الا ضمن استراتيجية الدفاع الوطني، اطلق رئيس الحكومة نواف سلام شرارة الازمة وهو يبدو "راس حربة" في هذه الموجة الجديدة التي تستهدف اولا احراج قائد الجيش رودولف هيكل الرافض للبدء بالمرحلة الثانية قبل التزام "اسرائيل" بشروط وقف الاعمال العدائية، ما يجعل القضية "قنبلة موقوتة" قابلة للانفجار؟!
قانون"الفجوة المالية" والاعتراضات
فقد دخل قانون الفجوة المالية في "نفق مظلم" اثر موجة من المواقف السلبية التي تجعل "ابصاره النور" في الحكومة، دون تعديلات، مهمة شاقة، اما خروجه على "قيد الحياة" من المجلس النيابي فمهمة مستحيلة، فيما يبدو الجميع في سباق مع الوقت لايجاد صيغة مقبولة تجنب البلاد الضغوط الدولية المتصاعدة، لكن "الكباش" بين الدولة والمصارف، والخلاف على نسبة تحمل كل طرف للاموال المفترض ان تدفع للمودعين، وسط محاولات متبادلة للتهرب من المسؤولية، قد تحول دون التوصل الى النتائج المرجوة قريبا، الا اذا رفعت واشنطن من مستوى ضغوطها التي ترجمت بالامس بلقاء السفير الاميركي ميشال عيسى مع وزير المال ياسين جابر. وحتى ذلك الحين سيبقى المودع الحلقة الاضعف حيث تستنزف امواله دون ان تكون استعادتها كاملة مضمونة بعد 6 سنوات على بدء الازمة المالية والاقتصادية.
فرض المنطقة العازلة
وعلى خط آخر من الضغوط التي لا تقل خطورة، تتواتر التسريبات الدبلوماسية عن وجود تفاهم اميركي- اسرائيلي على مقاربة الملف اللبناني انطلاقا من ضرورة الذهاب الى تسخين متدرج للوضع العسكري لفرض امر واقع يسمح باقتطاع منطقة عازلة تبدو غير قابلة للتحقق راهنا في ظل موازين القوى الحالية، ولهذا تحتاج "اسرائيل" الى "ضوء اخضر" يسعى رئيس حكومة العدو بنيامين نتانياهو الى الحصول عليه في القمة المرتقبة مع الرئيس دونالد ترامب في 29 الجاري لتوسيع ضربات تؤدي الى المزيد من اضعاف حزب الله.
موجة ضغوط جديدة
هذه الاجواء الضاغطة، تترافق مع ازمة داخلية تلوح في الافق، قد تعيد البلاد الى الاجواء المتشنجة عشية قراري الحكومة حول "حصرية السلاح" في ال5 والسابع من آب الماضي. وقد اعطى رئيس الحكومة نواف سلام اولى المؤشرات الدالة على عودة هذا المناخ عبر التاكيد استعداد الحكومة للبدء بالمرحلة الثانية من خطة الجيش شمال الليطاني، مستبقا تقرير قائد الجيش رودولف هيكل في الخامس من الشهر المقبل، وقد تحدثت مصادر السراي الحكومي بالامس عن اصراره على المضي بخطة الجيش بمراحلها كما وضعت وهو لن يقبل بالمناورة وبالتذرع باحتلال "اسرائيل" النقاط الخمس لعدم الانتقال الى المرحلة الثانية، وهو يصر على الالتزام بالموعيد، ولن يقبل اي تعديل.
سلام يضغط على هيكل؟
هذا الكلام "المتشنج" براي اوساط سياسية بارزة، هو محاولة واضحة لوضع العماد هيكل تحت الضغط، خصوصا ان كل الاجواء المنقولة عنه تفيد بانه يتجه الى التمسك بعدم الاعلان عن الانتهاء من المرحلة الاولى قبل التزام "اسرائيل" بالاتفاق، اي الانسحاب من الاراضي المحتلة،ووقف اعتداءاتها، واطلاق الاسرى، اي بمعنى آخر، عدم الانتقال الى المرحلة الثانية، ولهذا بدأ الرئيس سلام مبكرا قيادة هذه الحملة لمحاولة فرض وقائع سياسية تمنع هيكل من "المناورة" عند بلوغ الاستحقاق الشهر المقبل.
ما هو موقف الرئيس عون؟
وفي هذا السياق، وفي ظل رفض حزب الله المطلق للتعاون في ملف السلاح شمال الليطاني، الا ضمن استراتيجية وطنية، بعد استجابة "اسرائيل" لمندرجات وقف الاعمال العدائية، وتماهي رئيس مجلس النواب نبيه بري مع هذا الموقف،يبقى موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون حاسما في هذا الاتجاه، وعلمت "الديار" من مصادر مطلعة، انه يعمل بعيدا عن الاضواء، لمحاولة تجنيب البلاد أزمة داخلية جديدة، وهو يكثف اتصالاته لمحاولة الفصل بين اتمام الجيش اللبناني لمهمته جنوب الليطاني، والتي باتت موثقة اعلاميا ودبلوماسيا، وبين الاعلان عن انتهاء المرحلة الاولى، والتي تضع لبنان امام "مأزق" الانتقال الى شمال الليطاني، دون ان تكون "اسرائيل" قد نفذت اي بند من بنود الاتفاق، وهذا يعني الرضوخ للتفاوض تحت "النار"،اضافة الى المغامرة بحصول اضطرابات داخلية غير محسوبة النتائج. وهما امران يمثلان "خطا احمر" بالنسبة الى بعبدا.
مؤتمر الجيش "ورقة ابتزاز"؟
ولا تبدو تصريحات سلام المتكررة خلال الساعات القليلة الماضية حول شمال الليطاني، بعيدة عن ارتفاع منسوب الضغط الاميركي الذي يقوده السفير ميشال عيسى عبر جولاته واتصالاته مع عدد من القوى السياسية، وهو يدفع باتجاه توظيف حملة داخلية يفترض ان تبلغ ذروتها مطلع العام لمحاولة دفع السلطة السياسية الى تقديم تنازلات في هذا الملف، عبر التسليم بالفصل بين التزام "اسرائيل" بالاتفاق، واكمال الجيش اللبناني للبنود الخمسة في خطته، ووفق مصادر نيابية، فان مسألة عقد مؤتمر لدعم الجيش اللبناني ستكون احدى "اوراق الابتزاز" في هذا الملف، وعدم تحديد موعد محدد في شهر شباط، يعود الى رغبة دولية واقليمية واضحة لربط المساعدات بتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الجيش شمال الليطاني.
حملة تهويل جديدة
وفي هذا الاطار، بدات حملة التهويل مجددا، وهي مرشحة للتصاعد مطلع العام المقبل، وهي تضع لبنان امام خيارين احلاهما مر، اما الرضوخ للضغوط وتنفيذ الشروط الاسرائيلية تحت النار، او تحمل مخاطر "ميني حرب" يريدها نتانياهو، ولا يمانع ترامب حصولها،بفعل اغراء المنطقة الاقتصادية والسياحية التي يفترض ان تمتد من الناقورة حتى جبل الشيخ. اما باريس، فتبدو دون "انياب" وتسعى للموافقة مع اميركا على بقاء قواتها بعد مغادرة "اليونيفيل"، وإما عن اقتراحها ضرورة اجراء توثيق دولي لمهام الجيش جنوب الليطاني، فاعتبرته "اسرائيل" موجها ضدها.!
"طبول الحرب"!
وفي هذا السياق، اكدت صحيفة "معاريف" الاسرائيلية ان نتانياهو يقرع طبول حروب جديدة بالمنطقة، لا سيما على إيران ولبنان، لكن التقديرات أنه لن يقدم على أي خطوة قبل لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهاية الجاري. واشارت الى ان ثمة 4 ملفات أساسية ستكون مطروحة على جدول أعمال لقاء نتنياهو وترامب وهي؛ غزة ولبنان وسوريا وإيران، وتريد "إسرائيل" استئناف عدوانها على الجبهات الأربع، ولكن التقديرات في تل أبيب هي أن ترامب لا يتفق معها، ويبدو أن ترامب مصمم بشدة على إنهاء قضية غزة. اما في سوريا، فيبدو ترامب مصمما على بناء نظام جديد، مدركا أن سوريا قد تصبح ركيزة اقتصادية غنية بالمعادن للاقتصاد الأمريكي، اما بالنسبة للبنان، فمن المرجح أن يسمح ترامب لإسرائيل بمواصلة عملياتها في جنوبي لبنان، طالما لن تخرج الأمور عن السيطرة، وفق تقديرات "معاريف" التي ترى ان ايران تبقى القضية الرئيسية العالقة على رقعة الشطرنج، وقد وضعت "اسرائيل" خطا أحمر للهجوم، وهي على وشك تنفيذه، والآن هي بحاجة إلى ضوء أخضر من ترامب. ومن المرجح أنها ترغب في أن يصبح الجيش الأمريكي شريكا رئيسيا في مثل هذه الخطوة.
ما هي الاولويات؟
ويدرك نتانياهو ان الطريق إلى إيران يتطلب تنازلات في غزة وتعديلات في سوريا وتحركا ذكيا وحذرا في لبنان، واعتبرت أن السؤال ليس إذا ما كانت الحرب القادمة ستندلع، بل متى ستندلع؟..في المقابل أشارت القناة 14 الاسرائيلية ان "اسرائيل" ذاهبة مجددا الى حروب في المنطقة، والترتيب حاليا غير واضح، لكن يبدو أن الحملة العسكرية القادمة في لبنان هي الأقرب، تليها غزة، وبعدها يُحتمل أن نشهد جولة أخرى في إيران.
الاعتداءات مستمرة
ميدانيا، استمرت الاعتداءات الاسرائيلية، واستهدف مسيرة سيارة في القنيطرة قرب صيدا متسبباً بسقوط 3 شهداء، وعصر امس، القت مسيرة معادية قنبلة صوتية على اطراف بلدة عيتا الشعب في قضاء بنت جبيل، فيما مشط جيش العدو من موقع المالكية أطراف بلدة عيترون بالاسلحة الرشاشة..
"كرة النار" الى مجلس النواب
وفي الانتظار، عادت البلاد مجددا الى دوامة النقاش المحتدم حول قانون الفجوة المالية، بعد بدء دراسته في الحكومة، وقد قوبل المشروع بموجة اعتراض واسعة سياسياً وشعبياً ومن قبل المصارف، ووفق معلومات "الديار"، كان النقاش داخل الحكومة تقنيا، وكان لافتا ان عدد من الوزراء لم يفهموا جيدا القانون المطروح، وفيما يصر الرئيس عون على اقرار قانون يحفظ حقوق المودعين، رفض الرئيس سلام فكرة تشكيل لجنة لاعادة دراسته رغبة منه بتحويله سريعا الى مجلس النواب. وكان النقاش من قبله منفتحا على كل الافكار، وتمسك بالخطوط العامة للقانون واعتبره خطوة في الاتجاه الصحيح. ويبدو من سياق الاحداث، ان رئيس الحكومة يريد نقل "كرة النار" الى المجلس النيابي، ولا يريد ان تنفجر "القنبلة" داخل الحكومة.
نقاشات..واعتراضات
وفيما يستكمل النقاش في جلسة تعقد اليوم في القصر الحكومي، جرى ادخال بعض التعديلات على 4 مواد بالامس، واعلن وزير الاعلام بول مرقص، ان "مشروع قانون الفجوة المالية لا يغني عن أن يقوم القضاء بدوره"، وقال "نقترب من صيغة ترضي المصارف والمودعين وتتحمّل الدولة أيضًا مسؤوليتها، ويجب أن تُعاد الثقة بالقطاع المصرفي ونأخذ كل الهواجس بعين الاعتبار" .وقال مرقص"إن رئيس الحكومة أكّد أنّ مشروع قانون الفجوة المالية هو واقعي وقابل للتنفيذ وهدفه إنصاف المودعين وإعادة التعافي للقطاع المصرفي وكلّما تأخّرنا بإقراره تراجعت ثقة الناس والمجتمع الدولي.
قبل الجلسة، التي انضم اليها حاكم المصرف المركزي كريم سعيد،عقد اجتماع بين الرئيسين عون وسلام، وفيما اعلن وزراء القوات اللبنانية معارضة القانون، وأفادت المعلومات بأن وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني ووزير الزراعة نزار هاني، اللذين حضرا اجتماعاً مع كتلة "اللقاء الديمقراطي" يوم الأحد، اقترحا تعديلات على مشروع قانون "الفجوة المالية" ولن يصوتا في نهاية المطاف على الصيغة المقترحة. في المقابل، تجمع المودعون على طريق القصر الجمهوري، رفضاً لمشروع القانون، رافعين لافتات أكدوا فيها الحق في ودائعهم والحصول عليها كاملة. هذا واستقبل وزير المال ياسين جابر السفير الاميركي في لبنان ميشال عيسى، وجرى استعراض مشروع قانون الفجوة المالية والانعكاسات المرتقبة على المستوى الاقتصادي.
4 min read