يُعتبر سرطان الكبد من أكثر أنواع السرطان شيوعًا وخطورة على مستوى العالم، ويأتي في مقدمة الأسباب المؤدية للوفاة بين الأمراض السرطانية. وخلال السنوات الأخيرة، بدأ الباحثون يسلطون الضوء على العلاقة بين النظام الغذائي، خصوصًا الدهون، ونمو خلايا الكبد السرطانية، مشيرين إلى أن الإفراط في استهلاك الدهون، لا سيما المشبعة منها، قد يلعب دورًا مهمًا في تطور المرض وزيادة شدة الأعراض.
الدهون ليست مجرد مصدر للطاقة، بل تشارك في تنظيم العديد من العمليات الخلوية. ومع ذلك، فإن تراكم الدهون في الكبد، المعروف بالكبد الدهني، يوفر بيئة مناسبة لتطور الخلايا السرطانية. إذ أظهرت الدراسات أن تراكم الدهون يؤدي إلى زيادة الإجهاد التأكسدي داخل خلايا الكبد، وإحداث تغييرات في البيئة المجهرية للخلايا، مما يعزز الانقسام غير الطبيعي للخلايا ويحفز نمو الأورام.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن للدهون أن تؤثر في مسارات الإشارات الخلوية، مثل مسار mTOR وAMPK، والتي تعد أساسية في تنظيم نمو الخلايا وبقائها. ارتفاع الدهون المشبعة في الخلايا الكبدية يرفع مستويات بعض الهرمونات والإنزيمات التي تعزز تكاثر الخلايا السرطانية وتثبط عملية الموت الخلوي المبرمج، مما يسمح للخلايا السرطانية بالبقاء والنمو بشكل غير طبيعي.
فالكبد الدهني الناتج عن الإفراط في استهلاك الدهون، سواء من المصادر الحيوانية أو بعض الزيوت المهدرجة، يخلق حالة من الالتهاب المزمن داخل الكبد. الالتهاب المستمر يؤدي إلى تفعيل خلايا الكبد النجمية وإنتاج ألياف الكولاجين، ما يساهم في تليف الكبد. وفي بيئة تليفية كهذه، تصبح خلايا الكبد أكثر عرضة للطفرات الجينية، مما يزيد احتمالية تحولها إلى خلايا سرطانية.
وقد أظهرت الدراسات أن الدهون الزائدة تعمل أيضًا على زيادة إنتاج المركبات الالتهابية، والتي تؤدي دورًا في تحفيز نمو الأورام وزيادة مقاومتها للعلاجات التقليدية مثل العلاج الكيميائي.
هذا وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن الدهون لا تؤثر فقط على البيئة المجهرية للكبد، بل تدخل مباشرة في تنظيم الجينات المرتبطة بالسرطان. على سبيل المثال، زيادة الأحماض الدهنية المشبعة تؤدي إلى تنشيط مستقبلات PPARs، وهي بروتينات مرتبطة بتنظيم أيض الدهون ونمو الخلايا. تنشيط هذه المستقبلات في خلايا الكبد السرطانية يعزز نموها، ويزيد من قدرتها على الانتشار، ويضعف استجابة الخلايا للموت المبرمج.
كما أن الدهون قد تسهم في زيادة مقاومة الخلايا السرطانية للأكسدة والأدوية، ما يجعل العلاج أكثر تحديًا. هذه العلاقة بين الدهون ونشاط الجينات السرطانية تفتح آفاقًا جديدة لفهم كيفية استهداف النظام الغذائي وعلاج الكبد الدهني كجزء من استراتيجيات مكافحة سرطان الكبد.
إلى ذلك، يمكن القول إن الدهون، خصوصًا عند استهلاكها بكميات كبيرة وبشكل غير صحي، تلعب دورًا محوريًا في نمو خلايا الكبد السرطانية وتفاقم المرض. فهي لا تقتصر على توفير البيئة الملائمة لتطور السرطان عبر الالتهاب والتليف، بل تتداخل أيضًا مع المسارات الخلوية والجينية التي تتحكم في نمو الخلايا وموتها.
من هنا تأتي أهمية اعتماد نمط غذائي متوازن، غني بالخضروات والفواكه، ويحد من الدهون المشبعة والمصادر الضارة، كجزء من الوقاية والدعم العلاجي للأشخاص المعرضين لخطر سرطان الكبد أو الذين يعانون من الكبد الدهني. كما أن متابعة الوزن، وممارسة الرياضة بانتظام، وتقليل استهلاك الكحول، جميعها خطوات مهمة للحد من تراكم الدهون في الكبد وتقليل احتمالية تحولها إلى بيئة محفزة لنمو الأورام.
2 min read