نشرت صحيفة <نيويورك تايمز>، يوم الخميس الماضي، تقريرا مفصلا رصدت من خلاله للجهود التي يقوم بها «جنرالات من النظام السوري السابق، بهدف زعزعة استقرار الحكومة السورية الجديدة»، وقد احتوى التقرير على الكثير من التفاصيل التي من بينها رصد المئات من المراسلات النصية، وكذا المئات من المكالمات، ما بين هؤلاء، المقيمين في المنفى، وبين مرؤوسيهم الذين يعملون في الداخل، وقد تثنى للصحيفة الحصول على تلك المراسلات عبر «التنصت عليها من قبل ناشطين سوريين قالوا أنهم استطاعوا اختراق هواتف هؤلاء القادة»، ويضيف تقرير الصحيفة أنه» جرى التحقق من صحة تلك المراسلات النصية والصوتية على حد سواء>.
عود أقدم المراسلات التي يوردها التقرير إلى شهر نيسان الفائت، أي بعد مرور شهر على أحداث العنف التي شهدتها مناطق الساحل وأرياف حمص وحماة ذات الغالبية العلوية، حيث قام مسؤولون بالنظام السابق بتوجيه <نداء تعبئة لاستقطاب مقاتلين من العلويين»، وكان أبرز هؤلاء اللواء سهيل الحسن، قائد «الفرقة 25> في جيش النظام السابق، والذي كان من بين الضباط الذين قامت روسيا بإجلائهم بعد سقوط هذا الأخير، إلا إنه «رفض البقاء في روسيا»، وفقا لما ورد في تقرير الصحيفة، واللواء كمال الحسن، رئيس <شعبة الإستخبارات العسكرية» في النظام السابق، حيث تشير المراسلات التي قام بها الإثنان إلى قيامهما بـ«توزيع أموال بغرض شراء أسلحة، وعلى شكل رواتب للذين عبروا عن استعدادهم للإنخراط في عملية التمرد المسلح»، وتؤكد إحدى المراسلات التي قام بها الأول، سهيل الحسن، أنه «التقى بمتعاونين معه في لبنان والعراق «بل وفي» داخل سوريا أيضا»، خلال ربيع وصيف هذا العام، كما تحتوي إحدى المراسلات الموجهة إلى شخص خاطبه بـ<القائد العام لجيشنا وقواتنا المسلحة»، وذيلها بتوقيع «خادمكم برتبة مجاهد»، على جداول لأعداد المقاتلين، ويرد فيها أنه» تحقق من هويات أكثر من 168 ألف مقاتل، منهم 20 ألفا يحملون رشاشات، و 331 لديهم مدافع مضادة للطائرات، و150 يحملون قذائف مضادة للدبابات، و35 قناصا>، وعلى الرغم من أن الحسن لا يذكر اسم <قائده» الذي يخاطبه، إلا أن أشخاصا «مطلعين» كانوا قد ذكروا للصحيفة بأن المقصود هو رامي مخلوف، رجل الأعمال السوري وابن خال بشار الأسد، الذي كثيرا ما يقدم نفسه كـ<قائد مخلص> للعلويين، وقد حرص في غضون السنوات التي أعقبت خلافه مع الأسد العام 2020، على تقديم نفسه على أنه «يملك القدرة على التنبؤ بالأحداث عبر نصوص غامضة يملكها»، ولعل ما ذكره هؤلاء، وتأكيدهم بأن القائد المقصود بتلك المراسلات هو رامي مخلوف، يتسق تماما مع التحالف الذي يقيمه هذا الأخير مع سهيل الحسن، والذي أضحى معلنا تماما ما بعد شهر آذار الفائت.
وتشير إحدى المراسلات إلى أن الحسن قام، شهر أيار الفائت، بتجنيد العميد غياث دلا، القائد السابق في «الفرقة الرابعة» التي كان يقودها ماهر الأسد زمن النظام السابق، وأن الأخير قام بـ<توزيع 30 ألف دولار كرواتب لقادة ومقاتلين»، في حين تشير مراسلة أخرى إلى أن دلا طلب «136 ألف دولار، لشراء معدات اتصال عبر الأقمار الصناعية»، وفي واحدة أخرى يتأكد أن العميد دلا كان يقيم بلبنان، قرب الحدود السورية، وفي تلك المنطقة قام بإجراء «اجتماعات مع قادة ميليشيات عراقية مدعومة من إيران>، وفيها تمت مناقشة «طرق التهريب لعناصر متمردة من سوريا إلى لبنان، ولأسلحة موجودة أيضا داخل الأراضي السورية»، وقد ذكرت بعض المراسلات أن هذه الأخيرة قد تضمنت «طائرات مسيرة، وصواريخ مضادة للدبابات»، وترصد إحدى المراسلات أن محمد الحاصوري، وهو عميد طيار سابق سبق له أن اتهم بتنفيذ الهجوم الكيماوي على بلدة خان شيخون بريف إدلب العام 2017، كان قد انضم إلى هذه الشبكة شهر نيسان الفائت، وتضيف واحدة أخرى في هذا السياق أن «20 طيارا سابقا قد جرى نقلهم، بدعم إيراني، إلى فندق بلبنان، بعدما عبروا عن رغبتهم في الإنضمام إلى التمرد>.
وفيما يخص اللواء كمال الحسن، يؤكد تقرير الصحيفة أن هذا الأخير سبق له وأن <زار لبنان، وفقا لما أكده أحد معارفه للصحيفة»، لكن اثنين ممن تواصلت معهم هذي الأخيرة كانا قد أكدا لها أن مشروع هذا الأخير يقوم على «بناء شبكة نفوذ، بدلا من قيادة تمرد مسلح»، وأن مؤسسة «تطوير سوريا الغربية»، ومقرها بيروت، تلعب دور رأس الحربة في ذلك المشروع، حيث تقوم المؤسسة المذكورة بتوفير «مساكن للعلويين الذين لجأوا إلى لبنان، سواء في أعقاب سقوط النظام، أم بعد مجازر آذار التي شهدتها مناطق العلويين»، والهدف من ذلك هو «الضغط على واشنطن من أجل فرض حماية دولية على مناطق العلويين في سوريا>، وبحسب وثائق أميركية، كانت المؤسسة المذكورة قد استعانت، شهر آب الفائت، بشركة «تايغر هيل بارتنرز» الأميركية، وكذا بجوزيف. إي. شميتز، المستشار السابق للرئيس دونالد ترامب، بغرض تمثيلها، وذكرت الصحيفة أنه لدى توجهها بالسؤال إلى شميتز للتعليق على تلك الوثائق، رفض هذا الأخير الإدلاء بأي تصريح، لكنه قال «نحن نعمل على ضمان حماية وتمثيل الأقليات في سوريا>، والجدير بالذكر أن تقرير الصحيفة يقول أن مؤسسة» تطوير سوريا الغربية «كانت قد أجرت لقاءات عدة مع 6 نواب أميركيين، من بينهم النائب برايان ماست، رئيس <لجنة الشؤون الخارجية> بمجلس النواب الأميركي، والسيناتورة جين شاهين، وعلى الرغم من أن المؤسسة كانت قد ذكرت أن تلك اللقاءات <روتينية»، إلا أن من الواضح أنها تندرج في سياق محاولة لتأسيس «جماعة ضغط»، أو ما يشبه المنظمات المعروفة بـ<اللوبيات» داخل الولايات المتحدة، وهذه بالتأكيد يمكن لها أن تكون مصدر قلق أكبر بكثير من مخططات التمرد، التي يعمل عليها سهيل الحسن، فنجاحها، الذي يعني إنشاء منطقة تحظى بحيثية معينة في غرب سوريا، سوف يمهد، تلقائيا، لأن يتردد صداها في مناطق أخرى مثل الجنوب والشرق السوريين .
4 min read