تتجه السياسة الأميركية تجاه لبنان في المرحلة المقبلة نحو تحقيق استقرار طويل الأمد عبر دعم الدولة اللبنانية وتقليص نفوذ الفاعلين غير الرسميين، في إطار استراتيجية أوسع تشمل محاولة التطبيع الإقليمي وتعزيز دور المؤسسات الوطنية كشرط لاستقرار داخلي وإقليمي. الأمر الذي جعل رئيس الجمهورية جوزاف عون يتحدّث بثقة عن أنّ شبح الحرب قد أُبعد عن لبنان.
هذه السياسة، التي تبرز بشكل واضح في التحرّكات الديبلوماسية العسكرية الأميركية منذ أواخر العام 2024، تخضع لاختبارٍ حقيقي بين الضغط الدولي، التوافق الداخلي اللبناني، والتوازنات الإقليمية.
مصادر سياسية مطلعة على أجواء واشنطن تؤكّد أنّ أهداف هذه الأخيرة في لبنان متعدّدة، أولها تحقيق الإستقرار عبر القوة الشرعية للدولة. وتركّز الادارة الأميركية على ثلاثة أهداف رئيسية في لبنان هي:
1- تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تجدّد الحرب مع "إسرائيل". فبعد وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب مع حزب الله في تشرين الثاني من العام الماضي تسعى واشنطن لمنع تجدّد الصراع عبر دعم آليات تثبيت وقف إطلاق النار وتشجيع انسحاب الفاعلين غير الرسميين من الحدود، بما في ذلك سحب القوات أو السلاح غير المرخّص.
2- تعزيز سلطة الدولة اللبنانية واحتكار السلاح. فالهدف المركزي في السياسة الأميركية هو نتيجة واضحة: أن تمتلك الدولة اللبنانية فقط الأسلحة وأن تُصبح المؤسسة العسكرية هي الضامن الوحيد للأمن، بما يجعل لبنان أكثر قدرة على حماية حدوده واستدامة الأمن الداخلي. وهو ما أكّده مسؤولون أميركيون كبار خلال زياراتهم إلى بيروت، معتبرين أن الجيش اللبناني هو الضامن الحقيقي للاستقرار، وأن أي تقدّم يجب أن يشمل خطة واضحة لنزع السلاح غير الشرعي. وفي علامة بارزة على التقدّم الجزئي، أعلن رئيس الوزراء نوّاف سلام أخيراً أنّ جهود نزع السلاح جنوب نهر الليطاني تكاد تكتمل، في خطوة تُعدّ اختباراً عمليّاً لإرادة الدولة في تنفيذ المطالب الأميركية.
3- تهيئة بيئة سياسية وإقتصادية مستقرة: فواشنطن تدفع نحو دعم لبنان سياسياً وإقتصادياً من خلال تعاون مع المؤسسات المالية الدولية وشركاء دوليين لتعزيز الاقتصاد اللبناني، في مقابل تنفيذ إصلاحات داخلية تعيد بناء الثقة في مؤسسات الدولة.
وفي ما يتعلّق بتحقيق هذه الأهداف، تتبع الإدارة الأميركية نهجاً متعدّد الأدوات، على ما تلفت المصادر السياسية، يقوم أولاً على الضغط الديبلوماسي والمفاوضات المستمرة. فقد زرعت إدارة الرئيس دونالد ترامب مبعوثين من قبلها في بيروت (مثل السفير توم بارّاك، والموفدة مورغان أورتاغوس) لعرض خطة سياسية–أمنية مفصّلة استناداً إلى خارطة طريق تتضمّن احتكار السلاح للدولة وانتشار الجيش بدل الفصائل المسلّحة ضمن جدول زمني واضح.
وتقترح هذه الخطة استكمال خارطة الطريق خلال أشهر قليلة، وربط التنفيذ بـ ضمانات دولية تشمل تحديد الحدود وسحب "إسرائيل" لقوّاتها من المناطق المتنازع عليها. في الوقت نفسه، تعتمد واشنطن على سياسة الدعم العسكري والمالي المشروط. فقد قدّمت دعماً، على ما أشارت المصادر المطلعة، بقيمة أكثر من 230 مليون دولار إلى الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، في خطوة تهدف إلى تمكينهما من منح الدولة إحتكار القوة على كامل التراب اللبناني. وترتبط هذه المساعدات بتقدّم واضح في تنفيذ خارطة الطريق التي تشترط نزع سلاح الفصائل المسلّحة، وهو ما يُعدّ أداة ضغط يمكن تعديلها وفق التطوّرات على الأرض. كذلك تسعى واشنطن إلى التعاون والتنسيق الدولي لإحلال السلام والاستقرار في لبنان. وتعمل عبر شركائها الدوليين، على ما توضح المصادر السياسية، مثل الأمم المتحدة، ودول عربية لا سيما السعودية ومصر، وغربية وعلى رأسها فرنسا، لتوفير دعم سياسي وإقتصادي للبنان، وقد رُبط هذا الدعم بإصلاحات داخلية واستقرار سياسي يحقّقها لبنان بالتعاون مع المجتمع الدولي.
ولعلّ أحد وجوه هذا التعاون يتمثل في الدعوة إلى مؤتمرات إعادة إعمار واستثمار اقتصادي مرتبطة بملف الأمن، ما يخلق دافعًا لبيروت لتحقيق تقدّم حقيقي في خارطة الطريق. غير أنّ التحديات الداخلية والإقليمية كثيرة.
وعلى الرغم من هذه الأهداف والأدوات، فإنّ تنفيذ السياسة الأميركية في لبنان، على ما تعتبر المصادر، ليس بالسلاسة التي تبدو عليها الخطط. ولعلّ أبرز هذه التحديات تظهر في المقاومة الداخلية القوية، إذ لا يزال حزب الله وجماعات سياسية أخرى معارضين لإخضاع أسلحتهم للدولة ما لم يكن هناك انسحاب واضح لـ "إسرائيل" من الأراضي اللبنانية. ويعتبرون ذلك شرطًا جوهريّا قبل أي نزع للسلاح، وهو ما يعقّد التوافق الداخلي المطلوب لإنجاز خارطة الطريق. علماً بأنّ الجيش اللبناني يقوم بمهمة بسط سلطته في جنوب الليطاني، وينفّذ خطته على مراحل كما وعد.
كما تُشكّل الضغوط الخارجية والإقليمية تحدياً آخر في وجه تحقيق الأهداف، وفق المصادر السياسية، سيما وأنّ الإقليم لن يبقى بمعزل عن هذا الملف؛ فالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وعلاقة واشنطن بـ "إسرائيل"، يُلقيان بظلالهما على تنفيذ الاتفاقات، بينما تلجأ هذه الأخيرة بين الحين والآخر إلى تنفيذ ضربات جويّة في جنوب لبنان وبقاعه، بسبب اتهامات بوجود مواقع لحزب الله، ما يجدّد التوتر ويُعقّد التقدّم. والأوضاع الإقليمية هذه تزيد من صعوبة تحوّل الاتفاق الأمني إلى استقرار دائم، خصوصاً مع استمرار احتياجات لبنان الماسّة إلى دعم اقتصادي واستقرار سياسي داخلي.
من هنا، تعوّل المصادر على نجاح مفاوضات لجنة الميكانيزم لتحقيق وقف الأعمال العدائية بين الجانبين. الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي إلى استقرار نسبي وتقدّم مؤسساتي خلال السنتين المقبلتين. فإذا نجحت المفاوضات في تثبيت وقف إطلاق النار، وأصبح الجيش اللبناني القوة الأمنية الفاعلة، وجرى تنفيذ خارطة الطريق تدريجياً، فإنّ لبنان يمكن أن يشهد تحسّناً في الأمن الداخلي، ودعماً اقتصادياً دولياً يجعل الاستثمار جزءاً من تنشيط الاقتصاد. إلى جانب دور أوسع للمؤسسات اللبنانية في إدارة الشؤون الأمنية والسياسية. وهذا النجاح يعتمد على توافق داخلي حول خارطة الطريق، ودعم دولي قوي في آنٍ واحد.
أمّا سيناريو الفشل الذي لا أحد يريده، على ما عقّبت المصادر، فمن شأنه أن يؤدّي إلى الانقسامات والتصعيد الداخلي، إلى جانب تجدّد التوتّر على الحدود مع "إسرائيل"، وتعثّر الدولة في فرض سيطرتها، واحتدام الخلافات السياسية دون تقدم يُذكر في الإصلاحات أو تحقيق الأمن.
في السيناريو الثالث الذي لا يتحقق فيه، بحسب المصادر المطلعة، لا النجاح ولا الفشل الكامل، بل الاستقرار الهشّ وغير المكتمل. وفي هذا السيناريو، يتحقّق تقدّم محدود في قناةٍ لا تُلزم طرفاً بمخرجات كبرى فورًا، ويحافظ لبنان على حالته الراهنة مع بعض التحسّنات التدريجية في الأداء المؤسساتي.
وتخلص المصادر إلى القول إنّه في أحسن حالاتها، تؤدي سياسة واشنطن الى لبنان أكثر أمنًا واستقرارًا، يُعيد بناء مؤسساته ويستقطب الدعم الدولي؛ أمّا في أسوئها فتبقى البلاد في حالة توتّر وعدم استقرار خلال المرحلة المقبلة.
كما يرى خبراء دوليون أنّ وقت لبنان قد حان لاتخاذ قرارات صعبة تساعد في إعادة تعبئة مؤسساته، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن النجاح ليس مضموناً ما لم يسبقه توافق داخلي واسع يضع السيادة الوطنية أولاً، ويواكبها دعم دولي مستدام.
في المحصلة، يبقى المشهد في لبنان ترقّباً بين رهان الدولة على نفسها، ورهان واشنطن على قدرتها على الدفع نحو استقرار قابل للحياة. وفيما يراقب العالم كل خطوة لبنانية بتوقعات وتوجّسات، يبقى السؤال الكبير: هل سيكتب لبنان صفحة جديدة من الاستقرار أم ستُعيد التفاعلات الإقليمية تدوير الأزمة من بوّابة جديدة؟
11 sec read