لا يجد الوزير السابق وديع الخازن، أن "عملية الإصلاح في لبنان قد اكتملت لمجرد إقرار قانون الفجوة المالية في مجلس الوزراء، رغم أهمية الخطوة من حيث المبدأ، كونها محطة أساسية، إنما ليست المحطة النهائية، فالإصلاح الحقيقي مسار متكامل ومترابط، يبدأ بتشخيص الخلل البنيوي في المالية العامة والنظام المصرفي، ولا ينتهي إلا بإعادة الثقة الداخلية والخارجية بالدولة اللبنانية ومؤسساتها". وعليه، يرى الخازن في حديث لـ"الديار"، أن "القانون يضع إطاراً نظرياً لتوزيع الخسائر، لكنه يبقى قاصراً ما لم يُستكمل بسلسلة قوانين وإجراءات إصلاحية متوازنة، أبرزها إعادة هيكلة القطاع المصرفي بشكل عادل وشفاف، وإقرار قانون استقلالية القضاء، وضبط الإنفاق العام، وإصلاح القطاع العام، وإقفال مزاريب الهدر والفساد التي راكمت الأزمة منذ عقود".
ووفق الخازن، فإن "الأخطر هو أن يتحوّل هذا القانون إلى أداة تحميل المودعين وحدهم كلفة الانهيار، فيما يبقى الفاسدون والمستفيدون من السياسات المالية الخاطئة بمنأى عن المحاسبة، فالإصلاح الحقيقي يفترض محاسبة من تسببوا بالأزمة، سياسياً ومالياً، واستعادة الأموال المنهوبة، قبل المساس بحقوق الناس وأموالهم، ونحن في بداية الطريق الإصلاحي، ولسنا في نهايته، والخشية الكبرى أن يُستخدم هذا القانون كإنجاز إعلامي بدل أن يكون جزءاً من رؤية شاملة تعيد بناء الدولة على أسس سليمة".
وحول قول الرئيس جوزف عون عن زوال هاجس الحرب الإسرائيلية، يقول الخازن إنه "يعكس بلا شك قراءة سياسية هادئة للمرحلة الراهنة، وربما استناداً إلى معطيات ديبلوماسية وأمنية توحي بتراجع احتمالات الحرب الشاملة في المدى المنظور، لكن الواقعية السياسية تفرض علينا التمييز بين تراجع الهواجس الآنية، وبين زوال التهديد بشكل نهائي، فلبنان، للأسف، لم يخرج بعد من دائرة الخطر الإسرائيلي الذي يعتبر لبنان ساحة ضغط ورسائل، ويستثمر في أي فراغ داخلي أو ضعف سياسي أو اقتصادي، رغم أن هناك عوامل ردع إقليمية ودولية تحدّ من اندلاع حرب موسعة، كما أن المجتمع الدولي لا يرغب حالياً في انفجار الجبهة اللبنانية، لكن التهديد الإسرائيلي مستمر ويتغذى أساساً من هشاشة الوضع الداخلي اللبناني، ومن غياب الدولة القوية القادرة على فرض سيادتها الكاملة وإدارة ملف السلم والحرب ضمن مؤسساتها الدستورية، وكلما طال أمد الانقسام الداخلي، بقي لبنان ضعيفاً اقتصادياً ومفكّكاً سياسياً، كلما بقي عرضة للابتزاز والتهديد، فزوال هاجس الحرب لا يتحقق فقط بالمعادلات العسكرية أو التطمينات الدبلوماسية، بل ببناء دولة قوية، موحدة القرار، وقادرة على حماية شعبها بالسياسة قبل السلاح".
ويشدد الخازن على أنّ "احتمالات اندلاع حرب شاملة على لبنان في المرحلة الراهنة تبقى ضعيفة، وإن لم تكن معدومة بالكامل، وقناعتي هذه تنطلق من معطيات سياسية وأمنية ودبلوماسية متقاطعة، فالمنطقة اليوم تعيش حالة توازن دقيق، تحكمها حسابات إقليمية ودولية تمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، لما تحمله من كلفة عالية على الجميع، وفي مقدّمهم العدو الإسرائيلي نفسه، لكن من الضروري التمييز بين غياب قرار بالحرب، وبين زوال التهديد، فلبنان لا يزال في دائرة الإستهداف السياسي والأمني، ولا تزال إسرائيل تعتمد سياسة الضغط والرسائل والتهويل، مستفيدة من ضعف الدولة اللبنانية ومن أزمتها الداخلية العميقة. فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط بالقرار خارجي، بل في الوضع الداخلي اللبناني، وأفضل ضمانة لعدم الحرب ليست التطمينات، بل قيام دولة متماسكة، موحّدة القرار، وقادرة على حماية مصالح شعبها بالسياسة والحكمة قبل أي شيء آخر".
وعن الاتصالات التي يقوم بها مع الفاتيكان، يؤكد الخازن على العلاقة التاريخية مع الفاتيكان الذي "لم يكن يوماً متفرّجاً على ما يجري في لبنان، بل شريكاً روحياً وأخلاقياً وسياسياً في حماية رسالته ودوره، والاتصالات التي جرت في عيد الميلاد مع وزير خارجية الفاتيكان وأمين سر الدولة تأتي في سياق تواصل دائم، يعكس اهتمام الكرسي الرسولي العميق بلبنان، ليس فقط كدولة، بل كقيمة ورسالة".
ويتابع الخازن، أنه "بعد زيارة قداسة البابا، تعزّز دور الفاتيكان كصوت ضمير عالمي يدافع عن لبنان في المحافل الدولية، ومهمة الفاتيكان اليوم تتركز على ثلاثة محاور أساسية: حماية الصيغة اللبنانية القائمة على العيش المشترك والتعددية، والتي يعتبرها البابا رسالة للشرق والغرب، والدفع باتجاه تحييد لبنان عن صراعات المحاور والحروب الإقليمية. ودعم قيام دولة عادلة وقادرة، بعيداً عن الفساد والزبائنية"، مذكّراً بأن الفاتيكان "لا يعمل بمنطق المصالح، بل بمنطق القيم، وهو يستخدم ثقله المعنوي والديبلوماسي لحثّ المجتمع الدولي على عدم التخلّي عن لبنان، وللتأكيد أن انهياره الكامل سيكون خسارة إنسانية وحضارية، وليس فقط سياسية".
وعما إذا كان العام 2026 سيحمل السلام للبنان، يشدّد الخازن، على أن "الأمل بالسلام واجب، لكن الرهان عليه من دون عمل جدي وهم، وعام 2026 قد يحمل فرصة للسلام، لكنه قد يحمل أيضاً مخاطر جديدة إذا استمر لبنان في الدوران في الحلقة المفرغة نفسها، والسلام يأتي بإعادة بناء الدولة، وترميم الثقة بين اللبنانيين، وإعادة الإعتبار للدستور والمؤسسات. إذا دخل لبنان عام 2026 موحداً، بإصلاحات حقيقية، واقتصاد بدأ يتعافى، ودولة تحظى بثقة شعبها والعالم، عندها يمكن الحديث عن أفق سلام واستقرار، أما إذا بقي الانقسام واستمرت المراوحة وغابت المحاسبة، فأنا بطبعي متفائل، لكن تفاؤلي مشروط بإرادة اللبنانيين وقدرتهم على إنقاذ أنفسهم، لأن لبنان يستحق السلام، لكنه يحتاج إلى شجاعة سياسية وأخلاقية كي يصنعه، لا أن ينتظره".
5 min read