لم تكد تمضي ساعات على التفجير الذي وقع بمسجد الإمام علي بن أبي طالب، بحي وادي الذهب بحمص، يوم الجمعة أول من أمس، حتى أعلن تنظيم» سرايا أنصار السنة» عن تبنيه لذلك التفجير، وقد جاء في بيان التبني <فجر مجاهدوا أنصار السنة، بالتعاون مع مجاهدين من جماعة أخرى، عددا من العبوات داخل معبد علي بن أبي طالب التابع للنصيرية»، ولم تحدد الجماعة في بيانها الذي نشرته عبر تطبيق <تيليغرام»، والذي كان توصيف المسجد فيه بـ«المعبد» لافتا وذا دلالة غير خافية، هوية الجماعة التي شاركت في تنفيذ ذلك الهجوم الذي كانت حصيلته عند 9 ضحايا، ونحو 18 جربحا تفاوتت إصابتهم ما بين الحرجة والطفيفة وفقا لآخر الإحصائيات التي نشرها « المرصد السوري لحقوق الإنسان».
والجدير ذكره في هذا السياق أن التنظيم المذكور كان قد سبق له وأن تبنى التفجير الذي وقع بكنيسة <مار الياس»، بحي الدويلعة بدمشق يوم 22 حزيران الفائت، والذي أودى بحياة 25 من المصلين، وأوقع العشرات من الجرحى، لكن الحكومة السورية كانت قد ذكرت في بيان لها، بعد يومين من التفجير، أن «الخلية التي قامت بالتفجير تتبع لتنظيم ( داعش)>، وأضافت في بيانها أن «زعيمها هو محمد عبد الإله الجميلي من سكان منطقة الحجر الأسود بدمشق»، أما المنفذان فقد ذكر بيان وزارة الداخلية أنهما « غير سورييْن، وقدد قدما من مخيم الهول ( بريف الحسكة) وتسللا إلى العاصمة دمشق>، الأمر الذي أثار لغطا كان ناجما عن التناقض ما بين الرواية التي قدمها <أنصار السنة»، وبين الرواية التي قدمتها الحكومة التي نسبت الفعل إلى تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهو ما دعا البعض في حينها لتفسيره عبر القول إن «تبني تنظيم سرايا أهل السنة للتفجير الذي وقع بالكنيسة كان من أجل كسب القوة الوهمية»، وإذا ما كان ذلك التفسير قد حظي بقبول الكثيرين في حينها، وأغلبهم من الإعلاميين والنشطاء الموالين للسلطة، فإن هؤلاء أنفسهم كانوا قد أعادوا التشكيك في البيان الصادر عن «أنصار السنة»، والذي تبنى من خلاله تفجير المسجد ، واضعين إياه في سياق ليس ببعيد عن السياق السابق، بالرغم من أن بيان وزارة الداخلية كان قد ذكر أن <التحقيقات الأولية تفيد بأن الانفجار ناجم عن عبوات ناسفة كانت مزروعة داخل المسجد»، من دون أن يوجه الإتهام إلى الجهة التي تقف وراء تنفيذ ذلك التفجير، لكن بيان الخارجية، الذي وضع الفعل في «سياق المحاولات اليائسة، والمتكررة، لزعزعة الأمن والاستقرار، وبث الفوضى بين أبناء الشعب السوري»، كان يقوم أساسا على رؤيا صحيحة، وهي مهدت الطريق للدفع بالحكومة السورية إلى إعلان الإفراج عن 69 معتقلا، كان أغلبهم ممن اعتقلوا على خلفية الأحداث الدامية التي شهدها الساحل السوري شهر آذار الفائت، حيث يشير توقيت العملية، وكذا الحضور الديني اللافت لمشايخ من الطائفة العلوية الذي شهدته، إلى أن الهدف من الفعل هو التقليل من شعور هذه الأخيرة بالاستهداف «الممنهج» الذي تعيشه منذ سقوط نظام الأسد قبل أكثر من عام.
يذكر أن تنظيم <سرايا أنصار السنة» كان قد ظهر للعلن أواخر شهر كانون الأول من العام 2024، أي بعد نحو أسبوعين على سقوط نظام الأسد، كنتيجة لتداعي بعض الكوادر التي سبق لها وأن انضوت، العام 2017، تحت مسمى «سرية أبو بكر الصديق>، قبيل أن تدخل هذه الأخيرة في صدام عسكري مع «هيئة تحرير الشام»، حيث أدت هزائمها أمام هذه الأخيرة على امتداد الأعوام 2018 و 2019 و 2020 إلى انفراط عقدها، وغيابها عن الساحة تماما، لكن الفوضى الناجمة عن سقوط النظام السابق كانت قد دفعت بالعديد من هؤلاء إلى تجميع صفوفهم من جديد تحت زعامة» أبو عائشة الشامي «، والإعلان عن التنظيم الذي عرف بهذا الإسم الجديد، والجدير ذكره أن العديد من الباحثين في «الحركات الجهادية» يؤكدون على أن عدد منتسبي التنظيم لا يتجاوز العشرات، إلا أن تأثيرهم ناجم بالدرجة الأولى عن المناخات المشجعة التي توفرها طبيعة الخطاب السائد، ويضيف هؤلاء أن الحل الأنجع للحد من تأثير تلك الحركات هو ذهاب السلطة إلى استصدار قوانين، وفتاوى، تقول بتجريم الخطاب الطائفي.
وأيا يكن القائم بالفعل، «أنصار السنة» أو «داعش»، أو أي تنظيم متطرف من التنظيمات التي باتت البلاد أشبه بـ «مفرخة» لها بفعل عوامل عديدة، فإن السهم الذي أطلقه الفاعل قد أصاب هدفه على نحو واضح، فقد أصدر «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى> بيانا ناريا ذهب من خلاله إلى تحميل السلطة مسؤولية ما يجري، وأضاف إن <ما يجري هو نتيجة حتمية لسياساتها الإقصائية والتحريضية والتكفيرية، ونتيجة لنهجها القائم على العنف والدم، ولا سيما تجاه المكون العلوي»، كما دعا بيان المجلس كلا من المجتمع الدولي، ومجلس الأمن، والمنظمات الدولية للقيام «بتحرك فوري وحاسم لوقف شلال الدم، ووضع الساحل السوري تحت الحماية الدولية، وتطبيق القرار 2799، لضمان قيام نظام حكم وطني، سياسي، جامع، يعتمد على مبدأ الفيدرالية، واللامركزية السياسية»، وإذا ما كانت بيانات هذا الأخير السابقة، كلها، قد جاءت على ذكر تلك المطالب دونما استثناء، إلا أن المؤكد هو أن المزاج العام الدولي قد تغير ما بين المطالب الأولى، ونظيرتها الأخيرة، ثم إن «المشاريع» تتسارع، ولعل المناخات التي يستولدها العنف والدم، كفيلة بدفع عجلاتها باتجاه تسارع أكبر، ومن المؤكد أن خروج أنطونيو غوتيرش، الأمين العام للأمم المتحدة، ليعلن عن إدانته للهجوم» على مسجد في حمص»، ويطالب بـ«محاسبة منفذيه»، كان إشارة لا يمكن تجاهلها، وهي تشير بوضوح للدرجة التي وصل إليها ذلك <المزاج» في سياق تقلباته المتسارعة.
4 min read