يُساعد في توسّع الشرخ<طوفان الكرامة> في الساحل... أداء «غير مُحايد» للسلطة

يُساعد في توسّع الشرخ<طوفان الكرامة> في الساحل... أداء «غير مُحايد» للسلطة

A- A+

عبدالمنعم علي عيسى

يشهد الساحل السوري منذ سقوط نظام بشار الأسد في شهر كانون الاول 2024، حالا من عدم الاستقرار، وهي ناجمة عن عوامل عديدة، أبرزها العاملان الأمني والاقتصادي، اللذان راحت تداعياتهما تلقي بالكثير على كواهل طائفة، باتت ترى نفسها كمن» يقف على حافة الهاوية»، أو أن «أحدا» يسعى لدفعها نحو <خط دفاعها الأخير»، الأمر الذي يؤسس لشعور في ذاتها هو أقرب لـ«التهديد الوجودي».

ولعل ذاك الشعور الطاغي، هو الذي بات حاكما لسلوكها الجمعي. والثابت اليوم هو أن كل تفكير يأتي خارج ذلك الشعور سيكون «معزولا»، وأن أي سلوك أو ممارسة، لا يتناغم أو يراعي ذلك الشعور، سيكون أشبه بـ<النفخ في قربة مثقوبة».

شهدت مدن وأرياف محافظتي اللاذقية وطرطوس، ومناطق من حمص وريف حماة الغربي، يوم الأحد 28 كانون الجاري، تظاهرات واسعة هي الثانية من نوعها في غضون شهر واحد. وفي هذا السياق، كانت هناك 31 نقطة تظاهر على امتداد تلك المناطق، وأكبرها كان في «دواري الأزهري والزراعة» في اللاذقية، و<دوار العمارة» في جبلة، إلى جانب «دوار السعدي» في طرطوس، وساحة «مسجد الإمام علي بن أبي طالب» في وادي الذهب بمدينة حمص، والذي كانت حادثة التفجير التي تعرض لها يوم الجمعة الفائت، أدت إلى وقوع 25 من المصلين ما بين قتيل وجريح، وهي التي دفعت برئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى الشيخ غزال غزال، إلى الخروج في بيان مصور قال فيه إن <ما يجري ليس صراعا بين أطراف متنازعة، هو قتل على الهوية، يهدف إلى كسر الإرادة، وفرض الخنوع بالقوة»، داعيا إلى التظاهر، لأن <الصمت عن هذه الجرائم لا يعني إلا المزيد من القتل والانهيار، وتعميق الدمار الذي يسعون إليه».

أطلق المتظاهرون شعارات تندد بالتفجير الذي وقع في «مسجد الإمام علي بن أبي طالب» في حمص، وتطالب بـ<الفيدرالية»، وإطلاق سراح المعتقلين الذين مضى على اعتقالهم أكثر من عام، في الوقت الذي لا يعرف فيه مصير غالبيتهم الساحقة.

من جهتهم، نظم موالون للحكومة السورية في جبلة واللاذقية وبانياس تظاهرات مضادة، رددوا خلالها هتافات مؤيدة للرئيس وللحكومة، ومناهضة للشيخ غزال غزال، الأمر الذي أدى إلى حدوث توترات في العديد من المناطق، التي ظهر فيها الأداء الحكومي< غير محايد» على الإطلاق، والذي يكاد يستسنخ نظيرا له، كان النظام السابق قد سلكه إبان أعوام الأزمة الأولى.

والشهادة التي قدمها «المرصد السوري لحقوق الإنسان» في هذا السياق، كانت كافية لتأكيد ذلك، فقد جاء في البيان الذي نشره «المرصد» إن <التظاهرات اتسمت بالطابع السلمي، إلا إنها ترافقت مع انتشار أمني كثيف في محيط عدد من الساحات والدوارات، حيث سجلت محاولات تفريق بالقوة، واعتداءات بالضرب في اللاذقية وجبلة وبانياس وحمص، نفذها عناصر من الأمن العام، وأفراد من جماعات تعرف بـ «السلم الأهلي»، ما أدى إلى حالة من التوتر والإحتجاجات».

ووثق «المرصد> سقوط ضحيتين إضافة إلى عنصر من الأمن العام، و إلى سقوط أكثر من 60 جريحا كانت<إصابات بعضهم حرجة»، إلا أن قناة «مرساة الجبل» كانت قد أفادت في تقرير لها يوم الاثنين، أن «عدد ضحايا التظاهرات قد ارتفع إلى ست، بعدما فارق أربعة من الجرحى الحياة>.

بدورها، كانت الحكومة السورية تسعى إلى تقديم صورة مغايرة لما سبق، في محاولة منها لتبرير أعمال العنف. فقد نقلت قناة <الإخبارية» السورية عن قائد قوى الأمن الداخلي في اللاذقية العميد عبد العزيز الأحمد قوله، إن «بعض العناصر الإرهابية التابعة لفلول النظام البائد، اعتدت على عناصر الأمن العام في مدينتي اللاذقية وجبلة، مما أدى إلى إصابة بعضهم، وتكسير السيارات التابعة للمهام الخاصة والشرطة».

كما قالت «إدارة الإعلام والاتصال» في وزارة الدفاع أن <مجموعات من الجيش السوري مدعومة بآليات مصفحة ومدرعات، دخلت إلى مراكز مدينتي طرطوس واللاذقية، بعد تصاعد عمليات الاستهداف من قبل مجموعات خارجة على القانون باتجاه الأهالي وقوى الأمن>.

ومن المؤكد أن تلك الصورة لم تكن موفقة في إخراجها، من حيث إنها عملت على اجتزاء «مشهد>، ومن ثم التركيز عليه بعيدا عن باقي التفاصيل، التي كانت تفوق في أهميتها أهمية الأول.

ولعل الطريقة التي تناولت بها كبريات الصحف الغربية ذلك الحدث، كانت كافية للتأكيد على «الإخراج» السيئ للمشهد. فقد تحدثت صحيفة «واشنطن بوست» صراحة عن «اختبار الشرعية» الذي تمر به حكومة الشرع، وحذرت من <خطر الانزلاق إلى نزاع أهلي بطابع طائفي». كما حذرت «نيويورك تايمز> من أن «استخدام القوة المفرطة في مناطق مدنية، أو أحياء ذات غالبية علوية، يهدد بتقويض أي دعم أميركي للعملية الانتقالية». أما «الغارديان» البريطانية فقد تحدثت عن «فشل العقد الاجتماعي»، كما تحدثت عن «مسؤوليات قانونية محتملة لقادة الأجهزة الأمنية، في ظل توثيق دولي متزايد لانتهاكات حقوق الإنسان في سوريا».

كشف مقطع قصير لسيارة كانت قد تعرضت واجهتها لأضرار، جراء قيام سائقها بدهس مجموعة من المتظاهرين، حجم الهشاشة التي وصل إليها المجتمع السوري، ومدى اتساع الشرخ بين مكوناته. فقد نشرت صفحات عديدة، في أعقاب انتشار تلك الصورة، أن <المتضرر> قد انهالت عليه مئات العروض لإصلاح السيارة، أو شرائها بأضعاف ثمنها الحقيقي، تعبيرا عن «شكر هؤلاء لما قام به هذا الأخير>. 

المزيد من مانشيت

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration