يُعدّ التهاب البنكرياس الحاد من الحالات الطبية الطارئة التي تتطلب تدخّلا سريعا، إذ يحدث عندما يتعرض البنكرياس لالتهاب مفاجئ نتيجة اضطراب في عمل الإنزيمات الهاضمة داخله، ما يؤدي إلى بدء هذه الإنزيمات في «هضم» نسيج البنكرياس نفسه بدلًا من أداء وظيفتها الطبيعية في الأمعاء. وتختلف شدة المرض من حالات خفيفة تتحسن خلال أيام قليلة، إلى حالات شديدة قد تُسبب مضاعفات خطرة تهدد الحياة إذا لم تُعالج في الوقت المناسب.
يؤدي البنكرياس دورا أساسيا في الجسم، إذ يُنتج الإنزيمات اللازمة لهضم الدهون والبروتينات والكربوهيدرات، إضافة إلى إفراز هرمونات مهمة مثل الإنسولين الذي ينظم مستوى السكر في الدم. وعند حدوث التهاب حاد، يختل هذا التوازن، ما ينعكس آلامًا شديدة في أعلى البطن قد تمتد إلى الظهر، وغثيانًا وقيئًا وارتفاعًا في الحرارة، وفي بعض الحالات تسارعًا في ضربات القلب واضطرابًا في ضغط الدم.
تُعدّ حصى المرارة السبب الأكثر شيوعًا لالتهاب البنكرياس الحاد، إذ قد تسد هذه الحصى القناة الصفراوية المشتركة، ما يمنع تدفق الإنزيمات ويؤدي إلى تراكمها داخل البنكرياس. ويأتي الإفراط في تناول الكحول في المرتبة الثانية بين الأسباب، حيث يُسبب تهيّجًا مباشرًا لخلايا البنكرياس ويزيد من سماكة العصارة الهاضمة، ما يُسهّل انسداد القنوات. وإلى جانب ذلك، قد ينجم الالتهاب عن ارتفاع شديد في الدهون الثلاثية في الدم، أو عن إصابات مباشرة في البطن، أو مضاعفات بعض العمليات الجراحية، فضلًا عن تأثير بعض الأدوية والالتهابات الفيروسية.
توجد فئات معينة تُعدّ أكثر عرضة للإصابة بالتهاب البنكرياس الحاد مقارنة بغيرها. ففي مقدمة هذه الفئات الأشخاص الذين يعانون من حصى المرارة، خاصة النساء في منتصف العمر وكبار السن. كما يزداد الخطر لدى من يستهلكون الكحول بكميات كبيرة ولفترات طويلة. ويُعتبر المصابون باضطرابات الدهون في الدم، ومرضى السكري غير المسيطر عليه، إضافة إلى الأشخاص الذين يعانون من السمنة، ضمن الفئات المعرضة بدرجة أعلى. ولا يُستثنى من ذلك المرضى الذين يتناولون أدوية معينة قد تؤثر في البنكرياس، أو من لديهم تاريخ عائلي لأمراض البنكرياس.
وتكمن خطورة التهاب البنكرياس الحاد في مضاعفاته المحتملة، إذ قد يؤدي في الحالات الشديدة إلى فشل في أعضاء حيوية مثل الكلى والرئتين، أو إلى حدوث التهابات واسعة داخل البطن، وتكوّن أكياس أو خراجات بنكرياسية. كما قد تتكرر نوبات الالتهاب، ما يرفع خطر التحول إلى التهاب بنكرياس مزمن، وهو حالة طويلة الأمد تُضعف وظائف البنكرياس بشكل دائم.
أما الوقاية، فتُعدّ حجر الأساس في الحد من الإصابة بهذا المرض. ويأتي الامتناع عن تناول الكحول أو الحد منه بشكل كبير في مقدمة الإجراءات الوقائية، خاصة لدى الأشخاص المعرضين للخطر. كما يُسهم الحفاظ على وزن صحي واتباع نظام غذائي متوازن قليل الدهون في تقليل احتمالات تشكّل حصى المرارة وارتفاع الدهون الثلاثية. ويوصى كذلك بالسيطرة الجيدة على الأمراض المزمنة مثل السكري واضطرابات الدهون، والمتابعة الطبية المنتظمة عند استخدام أدوية قد تؤثر في البنكرياس.
وفي الختام، يبقى التهاب البنكرياس الحاد مرضًا يمكن الحد من مخاطره عبر الوعي بأسبابه والتعرف المبكر على أعراضه، إلى جانب تبني نمط حياة صحي والمتابعة الطبية الدورية. فالتشخيص المبكر والعلاج السريع لا يُسهمان فقط في تخفيف شدة النوبة، بل يقللان أيضا من خطر المضاعفات ويحافظان على سلامة البنكرياس ووظائفه الحيوية على المدى الطويل.
2 min read