طرقات البقاع "فخ قاتل ومصيدة للموت"

طرقات البقاع

A- A+


لم تعد طرقات البقاع مجرّد مسارات للتنقّل بين القرى والمدن، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى ساحات مفتوحة للموت، تحصد الأرواح بصمتٍ يوميّ، في ظل واقع مروري متدهور، وغياب شبه كامل لعناصر السلامة، وتراجع خطير في تطبيق القانون. فالحوادث المتنقّلة بين ضهر البيدر، وتعنايل، وزحلة، وبعلبك، وسعدنايل، ليست أحداثًا عابرة، بل مؤشّر صارخ إلى أزمة وطنية شاملة.

وكان آخر هذه الحوادث المروّعة حادث سير لفان ركّاب على طريق عام تعنايل في البقاع، أدّى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى، ليُضاف إلى سلسلة طويلة من المآسي التي تشهدها المنطقة، في وقتٍ تشير فيه المعطيات إلى أنّ عدد ضحايا حوادث السير في لبنان خلال عام 2025 تخطّى عتبة الـ500 قتيل، مسجّلًا زيادة تفوق 20 في المئة وفق الأرقام الأولية.

البقاع في صدارة المناطق الأكثر خطورة

وفي هذا السياق، أجرت “الديار” مقابلة مع رئيس الأكاديمية اللبنانية الدولية للسلامة المرورية، كامل إبراهيم، الذي أكّد أنّ البقاع يُعدّ اليوم من أخطر المناطق في لبنان على صعيد حوادث السير. ولفت إلى أنّ الطريق الممتد من حاجز ضهر البيدر وصولًا إلى مفرق قبّ إلياس يُصنَّف من بين الأكثر خطورة على الإطلاق، نظرًا لتعدّد العوامل السلبية التي تحيط به.

وأوضح إبراهيم أنّ الطريق التي تربط قبّ إلياس بكفريا تشهد بدورها مستوى مرتفعًا جدًا من الخطورة، إلى جانب خط سعدنايل – تعلبايا، وطريق المصنع – تعنايل – بر الياس، فضلًا عن أوتوستراد زحلة وأوتوستراد بعلبك، حيث تتكرّر الحوادث بشكل مقلق.

وأشار إلى أنّ قضاءَي بعلبك وزحلة يتصدّران لائحة الأقضية الأكثر خطورة في لبنان، موضحًا أنّ بعلبك سجّل خلال السنوات الثلاث الأخيرة النسبة الأعلى من الضحايا على مستوى البلاد، يليه المتن ثم زحلة. غير أنّه شدّد على أنّ المشكلة لا تقتصر على البقاع وحده، بل هي نتيجة تراجع عام في مستوى السلامة المرورية في لبنان، ما يجعل الأزمة وطنية بامتياز وتتطلّب مقاربة شاملة مختلفة عن الأساليب المعتمدة حاليًا.

سرعات قاتلة وطرقات بلا أمان

وحول أسباب ارتفاع نسبة الحوادث في البقاع، أوضح إبراهيم أنّ العامل الأول يتمثّل في السرعات العالية، نتيجة المسافات الطويلة وغياب إجراءات التهدئة، إضافة إلى انعدام الأمان على الطرقات. فطريق ضهر البيدر، على سبيل المثال، يفتقر إلى الإنارة ليلًا، ولا يُطبّق عليه القانون نهارًا، كما أنّ الطرقات غير مقروءة وغير محدّدة بالشكل الصحيح، وتفتقر إلى التخطيط السليم.

وتزداد الخطورة مع وجود عدد كبير من الشاحنات الثقيلة التي تسير إلى جانب السيارات، ومع التجاوز غير الآمن، ما يؤدّي إلى حوادث غالبًا ما تكون مميتة.

صيانة بلا سلامة… وطرقات تشجّع على الموت

وانتقد إبراهيم غياب التقييم الفعلي لسلامة الطرق، معتبرًا أنّ أعمال الصيانة تُنفَّذ غالبًا على أساس تزفيت الحفر فقط، من دون معالجة عناصر الخطر المرتبطة بالسلامة المرورية. وأوضح أنّ السلامة لا تعني الزفت وحده، بل تقتضي إزالة مصادر الخطر، ووضع إجراءات هندسية مدروسة لتهدئة السرعات، خصوصًا في المناطق السكنية.

كما لفت إلى الغياب شبه الكامل للافتات المرورية المناسبة، وانعدام الحماية على جوانب الطرق، حيث تنتشر الأشجار وأعمدة الإنارة والبلوكات الإسمنتية، وكلّها عناصر خطر قاتلة. وأكّد أنّ تزفيت الطرق من دون تأمين مستلزمات السلامة يؤدّي إلى نتائج عكسية، إذ يشجّع السائقين على القيادة بسرعة أكبر.

وختم بالتأكيد أنّه في حال عدم اعتماد مقاربة مختلفة وشاملة، فإنّ الوضع مرشّح لأن يصبح أسوأ، خصوصًا في البقاع، حيث تؤدّي المسافات الطويلة إلى سرعات أعلى، والسرعات العالية تعني مزيدًا من الضحايا.

وزارة الأشغال: صيانة الطرق بين الواقع والإمكانات

أكّد مصدر في وزارة الأشغال العامة والنقل أنّ صيانة الطرقات تمر بمراحل متتالية، تبدأ بتزفيت الطرق وتعبيدها، على أن تُستكمل لاحقًا بعناصر السلامة المرورية.

وأوضح أنّ سلامة الطرق تقع ضمن صلاحيات وزارة الأشغال، وقد أُطلقت لها الخطة الوطنية لإعادة التأهيل ضمن مشروع “لبنان على السكة”.

في المقابل، شدّد على أنّ ضبط المخالفات يعود إلى وزارة الداخلية وقوى الأمن الداخلي، ولا سيما في ما يتعلّق بالسرعة والقيادة الخطرة.

وأشار إلى أنّ محدودية موازنة 2025 لا تسمح بتغطية كل لبنان دفعة واحدة، على أمل أن تشهد موازنة 2026 مشاريع جديدة، لافتًا إلى أنّ الأقسام المتوقفة من الأوتوستراد العربي ستُعالج خلال عام 2026.

غياب التنسيق بين البلديات وقوى الأمن

أوضح رئيس بلدية شتورا، ميشال مطران، أنّه لا تُسجَّل ضمن نطاق بلدية شتورا حوادث سير خطرة أو مميتة، مؤكّدًا في المقابل أنّ دور البلديات يُعدّ أساسيًا في تحسين السلامة المرورية. وأشار إلى أنّ الحوادث الخطيرة في البقاع الأوسط تتركّز على محاور رئيسية، أبرزها طريق ضهر البيدر، أوتوستراد زحلة، أوتوستراد عميق، وطريق المصنع.

ولفت إلى أنّ البلدية أجرت دراسة لواقع الطرق، وعلى أساسها باشرت بزرع إشارات مرورية، وتركيب ممتصات صدمات، وتحسين الإنارة، وتنفيذ أعمال تزفيت وفواصل طرقية.

أما في ما يتعلّق بتنظيم حركة الشاحنات والدراجات النارية و”التوك توك”، فأكّد أنّ شتورا ممرّ حيوي ودولي، ولا يمكن اتخاذ إجراءات من هذا النوع من دون تنسيق مع الجهات المعنية.

وعن التنسيق مع قوى الأمن الداخلي، أشار مطران إلى غياب أي تنسيق مباشر نتيجة غياب الخطط الوطنية الشاملة للسلامة المرورية.

أرقام “الديار”: تراجع في الضبط… وارتفاع في المخاطر

في هذا الإطار، حصلت “الديار” على أرقام الجدول العددي التفصيلي بمحاضر ضبط مخالفات السير المنظمة من قبل مفرزة سير بعلبك، بين 1 أيلول و30 تشرين الثاني 2024، والتي أظهرت تنظيم 7702 محضر، توزّعت بين 790 مخالفة زجاج حاجب للرؤية، و2908 محاضر عادية، و325 حجز مركبات، و185 حجز دراجات، و30 لوحة غير مقرؤة، و52 عكس سير، و4794 محضر رادار.

أما في الفترة نفسها من عام 2025، فقد تراجع العدد الإجمالي للمحاضر إلى 4389، توزّعت بين 419 زجاج حاجب للرؤية، و1584 محضرًا عاديًا، و196 حجز مركبات، و127 حجز دراجات، وصفر لوحة غير مقرؤة، و164 عكس سير، و2805 محاضر رادار.

وتُظهر المقارنة تراجعًا واضحًا في عدد المحاضر، ما يطرح علامات استفهام حول مستوى الضبط والرقابة، في مقابل استمرار ارتفاع عدد الضحايا، ما يعزّز فرضية أنّ تراجع تطبيق القانون يوازيه ارتفاع في المخاطر على الطرقات.

وفي سياق الجهود الأمنية، نفّذت مفرزة استقصاء البقاع في وحدة الدرك الإقليمي، وبتواريخ 17 و18 و19 من الشهر الحالي، حملة واسعة في بلدات قبّ إلياس، شتورا، المرج، بر الياس، ومشاريع القاع، لمكافحة ظاهرة الدراجات النارية و”التوك توك” المخالفة. وأسفرت الحملة عن ضبط 120 دراجة نارية و80 “توك توك”، جرى حجزها جميعًا من قبل مفرزتَي سير زحلة وبعلبك، وتبيّن أنّ الغالبية الساحقة من المخالفات تعود إلى عدم التسجيل وعدم حيازة إجازة سوق.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration