"برايل" والذكاء الاصطناعي... من رمزيّة الاختراع الى تمكين المكفوفين في العصر الرقمي

كانون الثاني 2026 الساعة 00:00

A- A+



يُحتفى في الرابع من كانون الثاني بما يُعرف عالميا بـ «اليوم العالمي للغة برايل»، وهو توصيف شائع يخفي وراءه إشكالية مفاهيمية، تتجاوز البعد اللغوي إلى المنظور الحقوقي. ويُعتبر نظام "برايل" وسيلة للتواصل وليست لغة قائمة بذاتها، اذ تتيح للأشخاص المكفوفين قراءة اللغات المكتوبة عبر اللمس. لذلك، يعكس هذا الخلط بين اللغة والطريقة في جوهره، كيفية مقاربة الإعاقة البصرية: هل تُفهم كمسألة اختلاف في وسائل الوصول إلى المعرفة؟ أم كحالة تُختزل في أداة واحدة تُقدَّم بوصفها حلا نهائيا؟

من هنا، إن تخصيص هذا اليوم، المرتبط بميلاد "لويس برايل"، لا يمكن فصله عن الإطار الأوسع لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وفي مقدّمها الحق في التعليم، والعمل، والمشاركة الكاملة في الحياة العامة. غير أن السؤال المطروح اليوم لم يعد يقتصر على الاعتراف التاريخي بطريقة "برايل"، بل يتعدّاه إلى مساءلة واقع الوصول في عصر رقمي متسارع، إلى أي حد أسهمت التكنولوجيا الحديثة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي، في تحويل هذا الحق من مبدأ نظري إلى ممارسة يومية ملموسة؟

تنوّع الوسائط دليل خير!

في هذا السياق، برزت أدوات رقمية وأنظمة وصول تعتمد على الصوت، واللمس، والتحليل الذكي للمحتوى، لا كبدائل عن "برايل" بالضرورة، بل كامتدادات أو مسارات موازية، تهدف إلى تقليل العوائق التي يواجهها المكفوفون في حياتهم اليومية. لذا، يفتح هذا التحوّل نقاشا نقديا حول مفهوم التحفيز نفسه: هل يتحقق التمكين عبر تحديث طريقة "برايل" وتكييفها مع التكنولوجيا؟ أم عبر توسيع خيارات الوصول بما يضمن حرية الاختيار والاستقلالية الفردية؟

وبناء على ذلك، يتحول هذا اليوم الى مناسبة لإعادة التفكير في العلاقة بين الإعاقة والحقوق والتكنولوجيا، لا من باب الاحتفال الرمزي، بل من زاوية السؤال عن العدالة في الوصول، وعن دور السياسات العامة والابتكار التقني ، في ضمان مشاركة متكافئة في مجتمع تُبنى فيه المعرفة بشكل متزايد عبر الوسائط الرقمية.

تقنيات المساعدة الحديثة والبديلة

وفي هذا الإطار، يوضح مستشار شؤون الإعاقة لدى منظمة العمل الدولية ومركز الدراسات اللبنانية السيد إبراهيم عبد الله، "أن برايل ليست لغة، بل هي طريقة للتعبير والتواصل. ومع ذلك، لا أعلم تحديدا مدى استفادة هذا النهج من الذكاء الاصطناعي، إذ إن هناك تراجعا في استخدامه، في ظل انتشار الذكاء الاصطناعي، الذي يركّز على عدد كبير من التطبيقات المتاحة على الهواتف والحواسيب، وبالتالي لم يعد هناك اقبال كبير على هذه الآلية".

تعددت الأساليب والغاية واحدة

ويقول لـ "الديار": "أنا لست من مستخدمي "برايل" بشكل كبير، وإنما أعتمد على لوحة مفاتيح الحاسوب والهاتف، أي أستخدم حاليا تقنيات المساعدة (Assistive Technology) التي توفر قراءة صوتية أكثر من "برايل"، لأن استخدامه في الأصل مكلف مادياً، كما أنه يبطئ من وتيرة العمل، بينما باستخدام التطبيقات المتاحة على الهواتف أو البرامج على كومبيوتر المكتب، يمكننا الوصول إلى الهدف بشكل أسرع".

ويشير الى أن "طريقة "برايل" لا تتيح الاطلاع بسهولة على المعلومات المنشورة على المواقع الإلكترونية، فعلى سبيل المثال، إذا أردت تصفح الصحف أو أي وسيلة إلكترونية أخرى، يكون الأمر معقدا بعض الشيء، بينما أتمكن من القراءة بسهولة على الكومبيوتر أو الهاتف الخاص بي".

ويختم مؤكدا ان: "برايل ليست لغة كما يعتبرها البعض، على غرار لغة الإشارة، بل هي نمط للتواصل. ولو كانت لغة لسُجّلت في الدستور اللبناني، إلا أنها تُستخدم بهذا الشكل عالميا، ذلك أن اللغة تمتلك مقوّمات وعناصر وقواعد، تختلف كليا عن هذا الاسلوب".

تجدر الإشارة الى ان عبد الله انتُخب مؤخرا عضوا في الهيئة الوطنية لشؤون المعاقين، كممثل لجمعيات الأشخاص ذوي الإعاقة.

تحديات "برايل" في العصر الرقمي

في سياق متصل، تقول منسقة مكتب راعويّة الأشخاص ذوي إعاقة في الدائرة البطريركية المارونية - بكركي، الإعلامية والمرنّمة داليا فريفر لـ "الديار": "شخصيا تعلمت "برايل" منذ نحو عشرين عاما، بما في ذلك الأحرف والكتابة والقراءة. ومع موجة التطور التكنولوجي في ما يخص الهواتف والكومبيوترات المحمولة، سواء على أجهزة "الآيفون" أو باستخدام برامج مثل JAWS على الكومبيوتر، أصبحت هذه الوسائل أسرع بالنسبة لي. ومع ذلك، لم أستخدم طريقة "برايل" كثيرا، ولكنني تعلمتها بكل تفاصيلها، ومن ثم توجّهت أكثر نحو الاعتماد على التكنولوجيا على الهاتف والكومبيوتر".

التحديث متواصل!

وتشير الى انه "من الناحية التكنولوجية، قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، كان هناك تفكير دائم في تطوير البرامج التي تساعد وتدعم الأشخاص المكفوفين، سواء على الهواتف المحمولة مثل "الآيفون" او "سامسونغ"، أو حتى على الكومبيوتر المحمول باستخدام برامج مثل JAWS. في ذلك الوقت، كنت أتعلم على كل هذه الأدوات. واليوم، جاء الذكاء الاصطناعي ليكمل هذا المسار من خلال تطبيقات مستحدثة، بحيث أصبح بإمكاننا الوصول إلى المعلومات بسرعة أكبر، عبر البرامج الناطقة التي تساعدنا على استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة تسهّل حياتنا، سواء في جمع المعلومات، أو التطبيقات، أو التعامل مع المستندات والصور، حتى نتمكن من معرفة الألوان والكتابة بجميع اللغات".

تمكين المكفوفين بات متاحا

وتجزم: "سيكون الذكاء الاصطناعي وما سيتبعه في خدمتنا، نحن كأشخاص مكفوفين على أكثر من صعيد. وأنا أعلم أن هناك جهودا تُبذل على أكثر من جانب، لتطوير الأجهزة المرتبطة بالبصر، من أجل تسريع إيصال المعلومات للفرد. وفي المستقبل سيكون الذكاء الاصطناعي حتماً في خدمتنا".

وتضيف "بحكم عملي في مكتبنا في بكركي، ألتقي بالأشخاص ذوي الإعاقة، ومن بينهم من لم يتشجع بعد على تعلم استخدام هذه الأجهزة على الهواتف المحمولة والكومبيوترات، وأنا أحثهم على المحاولة، لأن هذا الأمر يتطلب إرادة، ويمنحنا استقلالية في استخدام كافة التطبيقات، سواء على الكومبيوتر أو الهاتف، أو في الدراسة المدرسية والجامعية".

وتؤكد: "في اليوم العالمي لـ "البرايل"، لا يمكننا إلا أن نتوجه بتحية إلى "لويس برايل"، الذي اخترع هذه الطريقة لتكون في خدمة الأشخاص المكفوفين، إذ لم تكن هناك أي وسيلة سابقة للتعبير أو القراءة أو الكتابة".

وتكشف في الختام: "لم أستخدم "برايل" كثيرا، إذ فقدت البصر عندما كنت في الثامنة عشرة من عمري، وكنت أتابع دراستي بشكل طبيعي. وعندما واجهت أول مرحلة رئيسية في الجامعة، درست "برايل"، لكنني لم أحتج إليه في الجامعة لأنني اعتمدت طرقا أخرى. لذلك تعلمت هذا المنهج، لكن لم أقم بأي ممارسة فعلية عليه".

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration