رئيس لسوريا نصف تركي ونصف "إسرائيلي"

كانون الثاني 2026 الساعة 00:00
رئيس لسوريا نصف تركي
ونصف

A- A+


أمام العالم قال دونالد ترامب ان رجب طيب اردوغان "بطل التغيير" في سوريا، للالتحاق بالقافلة الأميركية، ولتوقيع معاهدة سلام مع "اسرائيل". دعا بنيامين نتنياهو الى الاتفاق مع الرئيس التركي حول الرئيس أحمد الشرع، أن يصبح نصف تركي ونصف "اسرائيلي"، النصف الثالث سوري. كيف يمكن التقاطع، ولو كان التقاطع التكتيكي، بين من يعمل بالهاجس الايديولوجي الى اقامة "اسرائيل الكبرى"، ومن يعمل بالهاجس التاريخي الى اقامة "تركيا الكبرى" ؟

المشكلة أن اردوغان لم يكتشف أن كل رهاناته على احياء السلطة لا بد أن تسقط، منذ الخطوات الأولى، ان بالمطرقة الأميركية أو بالمطرقة "الاسرائيلية"، وحتى بالمطرقة الروسية. كل القوى العظمى لا تريد نشوء دولة قوية وفاعلة، على المستوى التكنولوجي أو على المستوى الاستراتيجي، في منطقة يمكن أن تتحول في اي لحظة الى حلبة لصراع الأمبراطوريات. هكذا نرى الدول العربية، لا "اسرائيل" التي بقدر ما هي وديعة أميركية وديعة روسية، في حال من التعثر الأبدي، وكذلك التبعثر الأبدي بالصراعات العبثية في قعر الزجاجة .

قطعاً لا ندافع عن النظام السابق في سوريا، وقد مضى بعيداً في التآكل الكارثي وفي الفساد، وفي اطلاق العنان للرعاع في أجهزة الاستخبارات، الذين لا يفرقون بين منطق المواخير ومنطق الدولة، وهم سبب البلاء العظيم. كما التداعيات المدمرة للحصار، ليكون التوريث الخطيئة المميتة، التي أوصلت البلاد الى ما وصلت اليه ...

ولكن أي نظام بديل حين يشرع الأبواب أمام كل الايدي الغليظة للعب بدماء السوريين، ولتقطيع سوريا الى دوقيات طائفية. أين هو الجنوب السوري ؟ وأين هو الشرق السوري ؟ وأين هو الساحل السوري، الذي شهد عشية الاحتفال بالعام الجديد، ليلة السكاكين الطويلة وليلة المطارق الثقيلة، ضد العلويين الذين مثلما كانوا ضحايا النظام السابق، هم ضحايا النظام الحالي، عبر قبائل ياجوج ماجوج الآتية، وكما رددنا سابقا، اما من الكهوف أو من الأقبية وربما من القبور !

الأشد هولاً ضغط أكثر من جهة عربية ودولية على لبنان، من أجل ملاحقة "فلول النظام" الذين تمكنوا من الفرار. علماً بأن حكوماتنا الضعيفة، هي من أتاحت لحكام سوريا محاولة التحكم بالسياسات اللبنانية، حتى أن أديب الشيشكلي هدد الرئيس كميل شمعون بتدمير قصر بيت الدين فوق رأسه، اذا لم يسلمه معتقلاً أدين بتنفيذ عملية اغتيال على الأرض اللبنانية. ثم متى لم يكن مقهى الـ "هورس شو" في شارع الحمراء، ملاذاً لاكرم الحوراني وصلاح البيطار وجمال الأتاسي، وغيرهم من الفارين السورييين؟ حتى أن حافظ الأسد لاذ يوما بمنزل آل فرنجية في زغرتا .

على الشاشات الاسرائيلية، تركيا أكثر خطورة من ايران على الأمن الاستراتيجي، والأمن الوجودي للدولة العبرية، كونها الدولة السنية التي تستطيع اختراق الأكثريات في الدول العربية، ان لاحياء السلطنة أو لاقامة العالم (أو الكومنولث) التركي، الذي يمتد الى أقاصي آسيا الوسطى، كما أقاصي القوقاز. هذا مع اعتبار تقدمها في مجال التكنولوجيا العسكرية، تحت مظلة عضويتها في حلف الأطلسي، وبوجود قاعة عسكرية أميركية في أراضيها، وتختزن 50 قنبلة نووية منذ حقبة الحرب الباردة ...

العين الاسرائيلية الحمراء على رجب طيب اردوغان الذي يتقن لعبة الزوايا. ولكن هل أن "اسرائيل"، وبوجود دونالد ترامب الذي قال انه فعل لها ما لم يفعله الرؤساء الآخرون، يمكن أن تبقى طليقة اليدين، بعدما أدت دورها في تدمير غزة، وتوسيع المستوطنات في الضفة، بتلك الطريقة اللولبية، التي جعلت المدن والبلدات الفلسطينية أشبه ما تكون بـ "أرخبيل الغولاغ" لمن تسنى له قراءة رائعة ألكسندر سولجنستين ، حول المعتقل الستاليني في سيبريا. وهكذا تصبح الدولة الفلسطينية رهان كهنة الغيب فقط .

هذا بعدما أقامت "اسرائيل" القوس الاستراتيجي في البحر المتوسط وفي البحر الأبيض، انه الثعبان الذي يلتف حول العرب، ولكن لنفاجأ بـ "هيئة البث الاسرائيلية" تقول، وفي ضوء لقاء مارالاغو بين ترامب ونتنياهو "ان جميع القرارات العسكرية الاسرائيلية، باتت مرهونة بـ"ضوء أخضر" من الادارة الأميركية، ما حوّل "اسرائيل" الى دولة تحت الوصاية".

وكنا قد لاحظنا بعض الخفوت في لهجة التهديدات الاسرائيلية. نتنياهو الذي بقي يقرع الطبول على مدار الساعة حيال ايران، قال ان "اسرائيل" التي خاضت الحروب على 7 جبهات، باتت "أقوى دولة في الشرق الأوسط (متى لم تكن كذلك) ؟ لا تريد التصعيد مع ايران. أما اذا استهدفتنا فستكون العواقب كارثية عليها ... وعليها أن تقبل حقيقة أنه ينبغي ألاّ تمتلك قدرة التخصيب النووي"، وان كانت صحف اليمين في "اسرائيل" تتوقع اتساع الانفجار الداخلي، بالصورة التي تهدد نظام آيات الله...

كما يلاحظ تشابك الصراعات في المنطقة على ذلك النحو السريالي، فهل تستفيد القيادة الايرانية من ذلك، لاستعادة دورها الجيوسياسي بطريقة أو بأخرى، وان كان المشهد الاقليمي قد تغير كثيراً ؟ عباس عرقجي قال "ثمة استعداد غير مسبوق بين اصدقاء ايران وأميركا لتسهيل الحوار، وضمان التنفيذ الكامل والقابل للتحقق".

واعتبر ان "هناك نافذة قصيرة من الفرص، ما يتطلب جرأة أكبر لكسر دائرة الشر"، وبعدما بات مؤكداً أن موسكو دعت طهران الى أن تخطو في اتجاه الحوار مع واشنطن، بأكبر كمية ممكنة من البراغماتية، وبأقل كمية ممكنة من الايديولوجيا. هنا المنطق ...

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration