يهود أميركا يساراً... يهود "إسرائيل" يميناً

كانون الثاني 2026 الساعة 00:00
يهود أميركا يساراً...
يهود

A- A+


نتوقف عند قول المؤرخ الهولندي فان روسيم، المتخصص في تاريخ وفي سياسات الولايات المتحدة، "التاريخ مثل الشيطان يعبث برؤوس الأباطرة، لكي يسقطوا أرضاً وتسقط معهم أمبراطورايتهم". لكنه يلاحظ أن الأمبراطورية الأميركية، قد تكون مختلفة في مسارها وفي مصيرها، عن اي أمبراطورية أخرى عرفتها البشرية، لأنها بايديولوجيا التفوق ان بالمال أو بالتكنولوجيا، تمكنت من تجاوز كل الديانات، سواء كانت الهية أم بشرية، لتفرض "الديانة الأميركية". حتى الآن، لا ديانة في هذا القرن سوى الديانة الأميركية!

هذا ما لا تستطيع فعله لا الأمبراطورية الروسية، ولا حتى الأمبراطورية الصينية أو الأمبراطورية الهندية. وهذه كلها تقع تحت وطأة التاريخ، ومن المستحيل أن تؤثر في البنية الثقافية أو في البنية الايديولوجية للمجتمعات الأخرى، خلافاً للأميركيين الذين تمكنوا من تسويق أسلوب حياة (Lifestyle) لدى سكان ناطحات السحاب كما لدى سكان أكواخ القش...

الأغبياء وحدهم يراهنون على الغروب الوشيك للأمبراطورية الأميركية. ولكن من البديهي والمنطقي، الرهان على تغيير بنيوي في السياسات وفي الاستراتيجيات الأميركية، ان بتأثير التفاعلات الداخلية التي تدفع في اتجاه تشكل نظرة أخرى، أو بالنظر للتطور الأسطوري في التكنولوجيا، والذي يتعدى عسكرياً حتى مفهوم حروب الجيل الرابع (ماكس مانوارينغ)، حيث الكلام عن حقبة ما بعد الزمن. جدلياً حقبة ما بعد الانسان!

ميريام ادلسون، أرملة الملياردير النيويوركي وأمبراطور صالات القمار في العالم شلدون أدلسون، قالت عقب انتخاب زهران ممداني عمدة لمدينة نيويورك، "كما لو كائنات غرائبية خرجت من الجحيم وطلت وجوهنا بالسواد". ما أثار الصدمة لديها أن نصف اليهود اقترعوا للرجل الآتي من ثقافة أخرى، ومن ديانة أخرى، ومعاد للسياسات الاسرائيلية، حتى أنه في اليوم الأول لتسلمه منصبه، ألغى أمرين تنفيذيين أصدرهما سلفه اريك آدامز، الأول بمنع وكالات المدينة من مقاطعة "اسرائيل" وسحب استثماراتها، والثاني يتبنى تعريفاً فضفاضاً لمعاداتها.

لطالما كتب الباحثون ان الدولة العبرية تستمد قوتها وامتدادها الأخطبوطي داخل مراكز القوة في العالم، من قوة "اليهود" في نيويورك، والذين يناهز عددهم 1.1 مليون (مليونان في الولاية)، أي 13 % من عدد السكان. وكان أول مستوطن "يهودي" وهو جاكوب بارسيميون، قد وصل الى ما كان يعرف بـ"نيو أمستردام" عام 1654، وكان يحمل جواز سفر من "شركة الهند الغربية الهولندية"، ليتدفق وراءه "اليهود" الذين، وعلى طريقة شايلول في رائعة شكسبير "تاجر البندقية"، برعوا في لعبة المال، لنرى جورج سوروس على عرش "وول ستريت"، الرواق الأمبراطوري الذي يتحكم بالدورة المالية على امتداد الكرة الأرضية.

ثم لنتذكر تهديد الرجل لرئيس وزراء بريطانيا جون ميجور، من أنه بحركة من اصبعه يدفع بالاسترليني الى القاع. آنذاك كتبت "الفايننشال تايمز" لكأن تاج الملكة وقع بين قدميها...

عندما تتغير نيويورك تتغير أميركا. هذا رأي المؤرخ آرثر شليسنجر، لنلاحظ أن باحثين وأكاديميين بدأوا بالتساؤل "أي أميركا بعد دونالد ترامب الذي يحاول أن يثبت للبشرية، وبذلك الشبق الجنوني للمال وبقبضة الغانغستر (كما حدث في فنزويلا)، انه "المسيح المنتظر" الذي يبدأ معه عهد جديد من السلام والعدالة في أرجاء الدنيا. انها "الترامبية" التي تثير سخرية العضوة الجمهورية في الكونغرس مارغوري تايلور غرين، التي تعتبر أن الرئيس السابع والأربعين "رجل الأشياء الصغيرة" ، الذي يفتقد بنرجيسته وبزبائنيته البعد الأخلاقي في شخصيته بالتجسيد المطلق لثقافة الكراهية، والتعامل الفظ مع كل من يخالفه الرأي أو ينتقده، وهذا ما يتناقض مع أخلاقية الآباء المؤسسين.

استطراداً، لا بد من تغيير النظرة الى "اسرائيل"، بعدما أظهرت تلك الوحشية المنقطعة النظير في غزة. ومن المفارقات انه فيما يجنح "يهود اسرائيل" يميناً (اقصى اليمين)، يجنح "يهود أميركا" يساراً. ولا بد أن تكون لذلك تداعياته الدراماتيكية على الدولة العبرية، لنلاحظ كيف أن "اللوبي اليهودي" يحاول تغيير "عدة الشغل"، في ظل التغيييرات التي تحدث من تلة الكابيتول الى الحرم الجامعي في هارفارد وماسشوستس.

جدعون ليفي كان رائعاً في توصيفه للقاء مارالاغو، وحيث حديث الأعمى الى الأعمى، داعياً الى "توسيع زاوية الرؤية"، بعدما بدا أن هناك حتى داخل الادارة الحالية من بات يسأل حين يشاهد ما حدث في غزة، وحيث تكدست 100000 جثة في العراء أو تحت الأنقاض، اذا كان هتلر قد مرّ من هنا أم هولاكو. ولكن ألم يقل زئيف جابوتنسكي ان "اهمية الدولة اليهودية أن من صنعوها خرجوا من قبورهم، أي من زمن الاضطهاد في أوروبا وغيرها، لكي يبنوا شكلاً آخر للحياة"!

الفلسطينيون هكذا، الجنوبيون في لبنان هكذا. لقد خرجوا من قبور آبائهم وأبنائهم. حتى وان كانت "اسرائيل" تقاتل بأميركا وأميركا تقاتل بـ "اسرائيل". ذاك التاريخ الذي لا بد أن يقول كلمته...

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration