اجتماع باريس: واشنطن تدفع بـ«السلام الإقتصادي» كأرضية تمهد للسلام الشامل

اجتماع باريس: واشنطن تدفع بـ«السلام الإقتصادي» كأرضية تمهد للسلام الشامل

A- A+

اختتمت، يوم الثلاثاء الفائت، الجولة الخامسة من المفاوضات السورية الإسرائيلية في العاصمة الفرنسية باريس، التي انعقدت على مدار يومين متتاليين برعاية أميركية لافتة، وقد كان واضحا أن الدفع بستيف ويتكوف، الذي جرى تكليفه من قبل الرئيس ترامب منذ لقائه الأخير بالرئيس الشرع في واشنطن، بمهمة الإتصال مع نتنياهو لمتابعة المفاوضات بين دمشق وتل أبيب، والدفع بالجانبين للتوصل إلى اتفاق أمني بينهما، إنما يرمي، من جهة، إلى تعزيز جهود المبعوث توم براك التي تحولت إلى «روتينية»، أو هي شبه معتادة، ومن جهة أخرى يشير إلى قرار يقضي برمي واشنطن لثقلها كله بغرض تحقيق اختراق من نوع ما في تلك الجولة التي جاءت بعد انقطاع دام لنحو أكثر من شهرين، وهي الأولى بعد لقاء ترامب - نتنياهو الذي جرى بميامي يوم 29 كانون أول الفائت .

ووفقا لمصادر أميركية متعددة فإن الأجواء التي سادت الإجتماعات كانت «إيجابية»، بالرغم من «وجود نقاط خلاف، وهي تحتاج إلى حسم»، وقد شهدت المفاوضات، وفقا لتلك المصادر، «تقدما بعد أن باتت هذه النقاط( نقاط الخلاف) واضحة»، وفي السياق أكدت المصادر عينها أن «90% من الإتفاق الأمني بات منجزا»، وأضافت أن «القضايا المتبقية تتعلق أساسا بالتنسيق الإنساني، والضمانات الأمنية، وكيفية تنفيذها عمليا في كل من سوريا واسرائيل، وكيف سينعكس ذلك على أرض الواقع»، وللخروج من حالة «الستاتيكو» التي سادت طوال اليوم الأول، الإثنين، سارع الجانب الأميركي، في اليوم التالي، إلى تقديم خطة متكاملة يلعب فيها «اللاصق» الإقتصادي دورا مركزيا، ووفقا لموقع «أكسيوس» الأميركي فإن الخطة الأميركية تقضي بـ«تشكيل قوة مهام مشتركة تضم الولايات المتحدة وسوريا واسرائيل»، على أن «يكون مقرها بالعاصمة الأردنية عمان»، في خطوة يفهم منها أنها محاولة لإطلاق مسار أمني سياسي جديد، خاص بالجنوب السوري، كما تتضمن الخطة «تجميد كل الأنشطة العسكرية من الجانبين في مواقعها الحالية إلى حين الإنتهاء من بلورة التفاصيل التنفيذية الخاصة بعمل قوة المهام المشتركة»، وبدورها أقرت المصادر الإسرائيلية بحدوث تقدم إيجابي في المفاوضات، فقد أفادت مصادر اسرائيلية لوكالة «جيثرو برس» أن «المحادثات أفضت إلى تفاهم أولي على إنشاء آلية تنسيق أمني، واستخباراتي، ثلاثي وفوري»، وأضافت تلك المصادر أن الهدف من هذا الأخير هو «منع الإحتكاك الميداني، والتعامل السريع مع أي توترات محتملة، لا سيما في المناطق ذات الحساسية الطائفية والأمنية»، وقد أكدت صحيفة» جيروزاليم بوست» في تقرير لها نشرته الثلاثاء ما أفادت به المصادر الإسرائيلية السابقة لوكالة «جيثرو برس»، وأضافت عليها أن الإجتماع أفضى إلى اتفاق الطرفين على «بدء محادثات بين القدس ودمشق، تشمل الطب والطاقة والزراعة»، لكن «القناة 12» العبرية كانت قد ذكرت في تقرير لها نشرته قبيل ساعات من اختتام الجولة أن «خطة جديدة للتعاون الإقتصادي السوري الإسرائيلي تجري مناقشتها ضمن مقترح أميركي يقضي بقيام (سلام اقتصادي) بين البلدين»، ووفقا للـ«القناة 12» العبرية، فإن المقترح الأميركي يقوم على إنشاء «منطقة اقتصادية مشتركة واسعة، وهي تمتد على طول الشريط المنزوع السلاح الحالي»، على أن تشمل «مشاريع للطاقة، ومصانع للأدوية، والأكثر ( ترامبية) على الإطلاق : منتجع تزلج»، حيث أشارت القناة إلى مقترح يقضي بتحويل «جبل الشيخ» إلى منتجع تزلج عالمي المستوى، على أن تكون هذه بداية لتحويل الجنوب السوري، برمته، إلى منطقة استثمار اقتصادية تضم على أراضيها شركات متعددة الجنسيات، في رهان واضح على أن يستطيع «الجنرال دولار» إحداث انعطافة كبرى في مسار صراع قائم منذ ثمانية عقود، وطي مرحلة مديدة كانت آثارها شديدة الطغيان على البنيان الداخلي السوري الذي راح يتماوج على وقع التطورات الحاصلة في سياق ذلك الصراع، لكن تقرير القناة المذكورة يشير إلى أن الخطة «تقضي بتوقيع اتفاق التعاون من دون انضمام سوريا إلى (اتفاقات ابراهام)، فمسودات الوثائق لا تجعل من السلام شرطا رسميا للخطة، لكن واشنطن ترى أن ذلك الإتفاق سوف يزيد من احتمالات السلام، وإن كان ذلك فعلا ليس مضمونا بأي حال».

الآن، ووفقا للمعطيات السابقة، التي تؤكد جميعها على إن اجتماعات باريس، السورية الإسرائيلية، كانت قد شهدت اختراقا وازنا، بدفع وإسناد أميركيين، مما يؤكد على وجود قرار أميركي بإزالة «الحواجز» القائمة على طريق دمشق - تل أبيب، والمؤكد هو أن واشنطن قادرة على القيام بتلك المهمة حتى إنهائها بالرغم من كل هذا «الصلف» الذي تبديه تل أبيب، وإذا ما حسنت النيات الأميركية فإن «مآلات» باريس باتت تهيئ الطريق أمام توقيع اتفاق تحت سقف يوازن ما بين «مطالب الأمن» الإسرائيلية، وبين حساسيات السيادة السورية، لكن السؤال الذي يثير الكثير من الشكوك تجاه تلك النيات : لماذا تأخذ «الجرافة» الأميركية على عاتقها مهمة إزالة تلك «الحواجز» على طريق تل أبيب - دمشق، وفي الآن ذاته، تعزز من تواجدها على الطريق الموصل ما بين الأخيرة وبين القامشلي؟، ألم يظهر ذلك جليا في أحداث العنف التي شهدها حيا الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، والتي اندلعت بالتزامن مع خروج «الدخان الرمادي» من قاعات باريس؟


المزيد من مانشيت

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration