أعلنت وزراة الدفاع السورية، بعد أربعة أيام من الإشتباكات الدامية التي شهدتها أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد بمدينة حلب، عن وقف لإطلاق النار ببدأ عند الساعة الثالثة من فجر الجمعة، وينتهي في الساعة التاسعة من صباح هذا اليوم الأخير، وفقا لما جاء في البيان الصادر عنها، وأضاف البيان «يطلب من المجموعات المسلحة في تلك الأحياء مغادرة المنطقة»، كما أشار بيان الوزارة إلى أن قواتها سوف تسمح «للمسلحين المغادرين بحمل سلاحهم الفردي الخفيف فقط»، كما «ويتعهد الجيش العربي السوري بتأمين مرافقتهم، وضمان عبورهم بأمان حتى وصولهم إلى مناطق شمال شرق البلاد»، وفي الوقت الذي لم يصدر فيه أي موقف رسمي عن «الأسايش»، أو «قوات سوريا الديمقراطية»، بما يخص الدعوة الصادرة عن وزارة الدفاع، أبدت الولايات المتحدة ترحيبها بقرار وقف إطلاق النار الصادر عن هذه الأخيرة، وقد ذكر توم براك، المبعوث الأميركي الخاص، أن بلاده ترحب بحرارة بقرار وقف إطلاق النار المؤقت، وأضاف «نعمل بشكل مكثف على تمديده»، وتحويله إلى تهدئة أطول عبر استمرار الحوار بين الأطراف.
ومن المؤكد أن الهدنة التي أعلنتها الحكومة السورية من طرف واحد، والتي جاءت بعد أن استطاعت هذه الأخيرة تحقيق العديد من المكاسب التي تأكدت بفعل التغييرات الميدانية الحاصلة في تلك الأحياء، كانت نتيجة للمبادرة الفرنسية أولا ثم لـ«تزكية» واشنطن لها بالدرجة الثانية، فقد ذكرت صحيفة «الثورة» الرسمية أن «الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون كان قد اتصل، يوم الخميس، بالرئيس أحمد الشرع»، وأن «الجانبين تناولا آفاق التعاون الثنائي، والتطورات في سوريا والمنطقة»، وشددا على «ضرورة استمرار التنسيق والتشاور بما يعزز فرص السلام والإستقرار»، ومن المؤكد هو أن تلك المبادرة كانت قد حظيت بـ«مباركة» أميركية، ما ساعد في إعطائها دفعا لافتا سرعان ما تبددت مفاعيله في الميدان.
صباح يوم الجمعة كان الهدوء قد عاد إلى أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، حيث أعلنت وزراة الدفاع عن نشر وحدات من الأمن الداخلي لتأمين الشوارع، والممتلكات العامة والخاصة، داعية الأهالي إلى «توخي الحذر والإبتعاد عن مناطق التوتر»، كما أعلنت الوزارة عن التوصل إلى ترتيبات تفضي بنقل عناصر «قسد» بسلاحهم الخفيف إلى مناطق شرق الفرات في «إطار تفاهمات أعقبت التطورات الميدانية الأخيرة داخل المدينة»، وقد أظهرت مقاطع مصورة وصول باصات نقل المقاتلين إلى الأحياء التي شهدت توترا على مدى الأيام الأربعة التي سبقت الإعلان عن وقف إطلاق النار، في حين تضاربت المعلومات حول مدى استجابة عناصر «الأسايش» لتلك التفاهمات، فبعض التقارير، وهي في جلها صادرة عن منابر «كردية» أو متعاطفة معها، أشارت إلى «رفض هؤلاء تسليم أسلحتهم، أو الخروج من الأحياء التي يتحصنون فيها» وبعضها الآخر أشار إلى «التزام الغالبية القصوى من عناصر (الأسايش) بتلك التفاهمات» مضيفة أن قوات «الأمن الحكومية دخلت إلى حي الأشرفية بعد سيطرتها عليه بشكل كامل»، وأن «الحياة الطبيعية بدأت بالعودة تدريجيا إلى المدينة»، وقد كان لافتا دخول مسعود البارازاني، رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، على خط الأزمة خصوصا بعد أن تكشفت مآلاتها التي تقضي بعودة الأحياء الثلاثة إلى سيادة الدولة السورية، وفي بيان أصدره بشأن أحداث حلب شدد البارازاني على «توفير الحوار والتفاوض لحل المشاكل»، لكنه أكد على إن «الخلاف السياسي لا يمكن أن يكون سببا في تعريض حياة المدنيين للخطر، ووقوع تطهير عرقي ضد الشعب الكردي»، محذرا من أن «التطهير العرقي جريمة ضد الإنسانية، وتترتب عليه نتائج خطيرة لا تحمد عقباها»، وإذا ما كان البيان قد منح الأكراد السوريين معنويات كبرى، في تأكيد أنهم ليسوا لوحدهم، إلا أن النبرة التحذيرية التي حملها قد تكون ذات مدلولات أبعد، من نوع الإشارة إلى إمكان حصول تغييرات في التفاهمات القائمة مع أنقرة فيما إذا ما تعرضت القامشلي، مثلا، لسيناريو شبيه بما تعرضت له أحياء حلب ذات الغالبية الكردية، وهذه الإشارة تبدو غاية في الأهمية، ولإيضاحها يمكن القول، أن قيام «حكم ذاتي» كردي في شمال العراق، العام 1991 فصاعدا، أمر لم تعارضه أنقرة لأسباب ايدلوجية بالدرجة الأولى، فهي لم تكن تنظر بعين الريبة إلى القوتين الفاعلتين في الإقليم، «الطالبانية» و«البارازانية»، على نحو ما تفعل حيال «حزب العمال الكردستاتي» الذي تتهمه أنقرة بالسيطرة على مفاصل القرار في المناطق التي تسيطر عليها «الإدارة الذاتية»، وبمعنى آخر فإن البارازني، لربما أراد القول في بيانه أن تلك «التفاهمات» القائمة مع تركيا ليست «مقدسة»، وإن ظروفا محددة قد تدفع إلى «تمزيقها».
في مطلق الأحوال، أضحت مسألة خروج الأحياء الثلاثة عن سيطرة «الأسايش» أو «قسد» مسألة وقت، وهذا الخروج لن يكون الأخير، بل هو مقدمة لـ«خروجات» أوسع وأبعد مدى، ولسوف يترتب على ذلك تراجع كبير في مشاريع «الحكم الذاتي» أو «الفدرلة» أو «اللامركزية السياسية»، التي تنادي بها قوى وتيارات سياسية عدة، وعلى رأسها «حزب الإتحاد الديمقراطي PYD»، الذي كان أول من فتح «بازارها».
4 min read