أطفال على حافة السكري... لماذا تتضاعف حالات ما قبل السكري؟

كانون الثاني 2026 الساعة 00:00
أطفال على حافة السكري... لماذا تتضاعف حالات ما قبل السكري؟

A- A+


في السنوات الأخيرة، بدأت حالة "ما قبل السكري" بالظهور بشكل مقلق بين الأطفال والمراهقين، بعد أن كانت تُعدّ مرحلة انتقالية تقتصر في الغالب على البالغين وكبار السن. هذا الارتفاع المتسارع لم يعد مجرد مؤشر صحي عابر، بل بات ظاهرة عالمية تعكس تحولات عميقة في نمط الحياة، والتغذية، ومستويات النشاط البدني لدى الأجيال الناشئة. وتكمن خطورة هذه المرحلة في أنها غالبًا ما تمر دون أعراض واضحة، في وقت تكون فيه التغيرات الأيضية قد بدأت بالفعل بالتأثير على صحة الطفل على المدى الطويل.

تُعرّف حالة "ما قبل السكري" بأنها ارتفاع مستويات السكر في الدم عن المعدلات الطبيعية دون أن تصل إلى الحد الذي يُشخّص كمرض السكري من النوع الثاني. وفي هذه المرحلة، يبدأ الجسم بفقدان قدرته على استخدام الإنسولين بكفاءة، ما يُعرف بمقاومة الإنسولين، وهي خطوة مفصلية تسبق تطور المرض الكامل. ومع أن هذه الحالة قابلة للعكس في كثير من الأحيان، إلا أن إهمالها في سن مبكرة قد يضع الطفل على مسار صحي محفوف بالمخاطر.

يُعد تغيّر نمط الحياة أحد أبرز الأسباب وراء تضاعف انتشار ما قبل السكري لدى الأطفال. فالاعتماد المتزايد على الأطعمة المصنّعة الغنية بالسكريات والدهون المشبعة، إلى جانب الاستهلاك المرتفع للمشروبات المحلّاة، أسهم في زيادة الوزن والسمنة لدى الأطفال، وهما عاملان رئيسيان في اضطراب التوازن الأيضي. كما أدى تراجع النشاط البدني نتيجة الجلوس الطويل أمام الشاشات وقلة الحركة اليومية إلى إضعاف قدرة الجسم على تنظيم مستويات السكر في الدم بشكل طبيعي.

ولا يمكن فصل العوامل الوراثية عن هذا المشهد الصحي المعقّد، إذ تشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بالسكري يكونون أكثر عرضة للإصابة بمقاومة الإنسولين في سن مبكرة. إلا أن الوراثة وحدها لا تفسّر هذا الارتفاع الكبير، بل تتفاعل مع البيئة المحيطة والعادات اليومية لتسرّع ظهور الحالة وتفاقمها. كما تلعب بعض العوامل الهرمونية خلال مراحل النمو والبلوغ دورًا إضافيًا في زيادة قابلية الجسم لاختلال التوازن السكري.

وتتجاوز تداعيات مرحلة ما قبل السكري الجانب الجسدي لتشمل الصحة النفسية والاجتماعية للطفل. فالأطفال المصابون بهذه الحالة قد يعانون من انخفاض الثقة بالنفس، خاصة إذا ترافق الأمر مع زيادة الوزن أو الحاجة إلى مراقبة غذائية مستمرة. كما قد يظهر القلق والخوف من الإصابة بالسكري مستقبلًا، ما يؤثر على جودة الحياة والنمو النفسي السليم، خصوصًا في حال غياب الدعم الأسري والطبي المناسب.

على الصعيد الصحي طويل الأمد، يُحذّر الأطباء من أن استمرار ما قبل السكري دون تدخل فعّال قد يؤدي إلى تطور مبكر لمرض السكري من النوع الثاني، إلى جانب زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون في الدم، حتى في سن المراهقة أو بداية الشباب. وتشير الأبحاث إلى أن التغيرات الأيضية التي تبدأ في الطفولة قد تترك آثارًا دائمة على الأوعية الدموية ووظائف الأعضاء الحيوية.

ورغم خطورة هذه المرحلة، فإنها تمثل في الوقت نفسه فرصة ذهبية للتدخل والوقاية. إذ تُظهر الدراسات أن تعديل نمط الحياة، من خلال تحسين النظام الغذائي وزيادة النشاط البدني، يمكن أن يُعيد مستويات السكر في الدم إلى وضعها الطبيعي لدى عدد كبير من الأطفال. كما تلعب المدارس والمؤسسات الصحية دورًا محوريا في نشر الوعي، وتشجيع العادات الصحية، والكشف المبكر عن الحالات المعرضة للخطر.

في النهاية، يعكس تضاعف انتشار حالة "ما قبل السكري" لدى الأطفال تحديا صحيا يتطلب استجابة جماعية تشمل الأسرة، والمدرسة، والنظام الصحي بأكمله. فالوقاية في هذه المرحلة لا تحمي الطفل من مرض مزمن فحسب، بل تضع أسسا لصحة أفضل تمتد معه إلى مرحلة البلوغ، وتحدّ من الأعباء الصحية والاقتصادية في المستقبل. 

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration