باريس "تفاوض" على دورها في لبنان… تحت سقف القيادة الأميركيّة

كانون الثاني 2026 الساعة 00:00
باريس

A- A+

ليس اعلان السفير الفرنسي لدى بيروت هيرفي ماغرو أن "باريس ستشارك في الشق الديبلوماسي للميكانيزم، على أن تتبلور لاحقا المهام وطريقة العمل داخل اللجنة"، أمرا عابرا في المسار الذي تسلكه الاليزيه لبنانيا، والذي يقوم بشكل أساسي على الحفاظ على دور تخشى أن يتلاشى، جراء التطورات الكبرى التي تشهدها المنطقة لا بل العالم، الذي بات تتزعمه وتقوده الولايات المتحدة الأميركية من دون منازع.

ولم يعد الدور الفرنسي في لبنان منذ فترة، يشبه الأدوار التقليدية السابقة التي اعتادت باريس أن تلعبها على مر السنوات، منذ الانتداب الفرنسي وحتى الأمس القريب. فالاليزيه التي كانت الممسكة بزمام الساحة اللبنانية، تنقلت بعدها للعب أدوار متعددة بعد الاستقلال. ومع بروز النفوذ والوصاية السورية، وتنامي الدور السعودي وبعده الايراني، حاولت باريس ان تستعيد تموضعها تدريجيا كـ "مبادرة"، سواء بعد انفجار مرفأ بيروت وبعده في الانتخابات الرئاسية من دون أن توفّق، ما يجعلها راهنا تراهن حصرا على حجز مقعد لها على طاولة النفوذ الدولي في لبنان، التي تترأسها واشنطن وتشارك فيها "تل أبيب" والسعودية، الى جانب مقاعد خلفية لايران وقطر ومصر.

وتشير مصادر سياسية لبنانية الى أن فرنسا تلعب راهنا دور "المُيسّر" و"الوسيط"، لضبط إيقاع الانفجار السياسي، وتركز اهتمامها على "تبريد الملفات" بدل تفجيرها، و"تدوير الزوايا"، لافتة لـ"الديار" الى أن "ذلك يؤدي لاستعار الكباش مع واشنطن، من منطلق أن العلاقة متوترة أصلا بين ترامب وماكرون، على خلفية التطورات العالمية الاخيرة". وتضيف المصادر: "تعلم باريس حجمها وقدراتها، لذلك لا تطمح لمنافسة واشنطن على القيادة، انما على تفعيل الشراكة مع باقي القوى الدولية المؤثرة لبنانيا. من هنا نراها تصر على مهمة الموفد جان ايف لودريان، رغم الخيبات المتعددة التي واجهها، لعدم ترك الساحة بالكامل للاميركيين".

وحتى الساعة، لا يبدو أن واشنطن تريد اقصاء فرنسا بالكامل عن الملف اللبناني، وان كانت تضع العصي بدواليبها عند كل استحقاق، ولعل الموافقة على اشراك عضو فرنسي في الشق الديبلوماسي للميكانيزم، أكبر دليل على المرونة التي تبديها الادارة الاميركية، من دون أن يعني ذلك بأي شكل من الأشكال، السماح للاليزيه بالتأثير على خطط واشنطن للبنان والمنطقة.

ويعتبر أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محي الدين الشحيمي أن "فرنسا تتمتع بحيثية وجودية تقليدية وتاريخية واقعية دائمة في لبنان، تسمح لها في أن تكون أكثر من مجرد لاعب او صاحبة دور سياسي، فهي مرجعية دائمة، الى ان أصيبت قراراتها بالعطب والتعديل بعدوى العرقلة"، مذكرا بأنها "لعبت أدوارا متعددة وعلى مراحل مختلفة، منذ ولادة القرار الذي شكل قوات اليونيفيل الدولية ومرورا بكل تعديلاته، وهي تتابعه إلى حاضرنا بالشراكة مع الحلفاء والاصدقاء، لتأمين الاستقرار في لبنان بدءا من الحدود اللبنانية الجنوبية، وتكريس مشهدية المرحلة الثانية عبر إطار وطريق الميكانيزم، والذي يعتبر بشكل مجرد الهيكل الاشتراعي الدولي، والذي يمنح نطاق تطبيق القرارات ضمن سياق خطوات تراكمية مؤسسة برقابة دولية مشتركة".

ويقول الشحيمي لـ"الديار" أن "النية الفرنسية ليست اتخاذ القرارات الدولية بحد ذاتها، وليس الميكانيزم او غيرها من المجالس، فما يهمها هو حلحلة المعضلة اللبنانية والعودة بها إلى مرحلة الهدنة"، معتبرا أن "دور الادارة الفرنسية في هذا المجال ينحصر بالتعبئة والتحفيز، والوصل بين الأفكار، وتذليل العقبات، وربط كل نزاع من شأنه العودة الى الوراء، في مسلسل بناء الدولة اللبنانية".

ويضيف: "يبدو ان أميركا تعتمد على هذا الدور بشكل مباشر، رغم كل الخلافات على العديد من الملفات وتعددية الاختلافات في وجهات النظر، إلا انهما متفقان في لبنان على الصورة النهائية والاطار الاستراتيجي المكمل، للانتقال في لبنان الى مصاف الدولة الحقيقية".

ويعتقد أن "هنالك خطأ شائعا ينتشر في المقارنة التطابقية بين كل من أميركا وفرنسا، وهذا أمر مغلوط في السياسة. فهما تختلفان في أمور عديدة لناحية المفهوم السياسي وطبيعة المدرسة السياسية، ومفهومية السياسات الخارجية، ومنطق العلاقات الدولية والتحالفية، كما يتمايزان في القدرة التنفيذية وقوة فرض الرأي وتطبيق النفوذ، وهذا شيء طبيعي يمنح التفوق لمصلحة الادارة الاميركية على الادارة الفرنسية المتصالحة مع ذاتها بصدده".

أما الاختلاف، يضيف الشحيمي، "فيقع في حيثية التعامل مع الملفات وحيوية تقييمها بين مروحة مقبولية الأدوار وسلاسة تنفيذ المبادرات، لذا يفوح الكباش الايجابي بين الطرفين في لبنان، وهو ينطلق من الاختلاف في وجهات النظر وطريقة الحل".

ويختم: "تقترب أميركا من حدود البراغماتية المجردة، في حين تنطلق الادارة الفرنسية من التفاهم والتفهم، مع الانغماس النافع في السياقات المجتمعية اللبنانية، لتبريد المراحل وحلها. وهو ما يجعل الأميركي معتمدا على الفرنسي في أغلب الاستحقاقات، خاصة بمساحة الربط والوصل للحوار".

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration