تدخل الساحة السياسية الفرنسية اعتباراً من هذا الثلاثاء مرحلة دقيقة، مع بدء محاكمة الاستئناف الخاصة بمارين لوبان، الزعيمة الفعلية لحزب التجمع الوطني، ورئيسة الكتلة البرلمانية لحزبها؛ المتهمة باختلاس أموال عامة في قضية “مساعدي البرلمان الأوروبي”.
تكتسي هذه المحاكمة أهمية استثنائية، فهي تشكل محطة مفصلية لمارين لوبان ليس فقط في مسيرتها السياسية وإمكانية ترشحها أو عدم ترشحها للانتخابات الرئاسية المقبلة، بل أيضا بالنسبة لمستقبل اليمين المتطرف في فرنسا، وذلك في وقت تُشير تشير فيه استطلاعات الرأي إلى صعود قوي لحزبها، وارتفاع شعبية وريثها السياسي جوردان بارديلا.
تمتد جلسات المحاكمة لشهر في محكمة الاستئناف بباريس، بينما يُنتظر صدور القرار النهائي خلال فصل الصيف، أي قبل نحو عام من الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
تعود وقائع القضية إلى الفترة الممتدة بين عامي 2004 و2016، حين تم اتّهام حزب “الجبهة الوطنية” سباقا – أصبح اليوم “التجمع الوطني” – بإقامة نظام ممنهج لتحويل أموال البرلمان الأوروبي المخصصة لتوظيف مساعدين برلمانيين، إلى تمويل أنشطة الحزب الداخلية. وهو نظامٌ، أوضحت المحكمة أنه وُضع أساسًا في عهد الراحل جان-ماري لوبان، مؤسس الحزب، ثم تم تطويره وتعزيزه عندما تولت ابنته مارين قيادة الحزب ابتداءً من عام 2011.
في نهاية شهر مارس الماضي، أصدرت المحكمة الجنائية في باريس حكمًا بإدانة مارين لوبان بتهم اختلاس أموال عامة، وقضت بسجنها أربعة أعوام، منها عامان نافذان ينفذان تحت المراقبة بسوار إلكتروني، إضافة إلى غرامة مالية قدرها 100 ألف يورو، مع عقوبة الحرمان من الترشح للانتخابات لمدة خمس سنوات مع التنفيذ الفوري.
وقد سارعت مارين لوبان إلى استئناف الحكم، معتبرة أن العقوبة تمس بحقها السياسي وبمبدأ المساواة أمام العدالة.
حمّلت المحكمة مارين لوبان مسؤولية مزدوجة: أولاً، بصفتها نائبة أوروبية، حيث قامت بتوظيف أشخاص من محيطها الشخصي والسياسي كمساعدين برلمانيين، بينهم حارسها الشخصي وسكرتيرة ومدير مكتب والدها، مقابل حوالي 474 ألف يورو، دون أن يثبت أنهم أدّوا عملًا برلمانيًا حقيقياً.
ثانيا، بصفتها رئيسة للحزب، حيث اعتُبرت مسؤولة عن إدارة وتنسيق توزيع العقود بطريقة تخدم مصالح الحزب وليس المؤسسة الأوروبية، بما وصفه القضاة بأنه “تحكّم مركزي” في الأموال العامة.
يُعد عنصر “التنفيذ الفوري” أخطر ما في الحكم، إذ جُرّدت لوبان فورًا من حق الترشح للانتخابات، رغم استمرارها في شغل مقعدها النيابي استنادًا إلى اجتهاد قضائي يسمح للنائب بإكمال ولايته حتى صدور حكم نهائي.
أثارت هذه العقوبة جدلا واسعاً، فبينما اعتبر الحكم أن السماح لشخص مدان في قضايا فساد بالترشح لرئاسة الجمهورية يشكّل “اضطرابًا خطيرًا في النظام الديمقراطي، رأى محامو مارين لوبان أن هذه العقوبة “تمس بحق الشعب في اختيار ممثليه”، بينما رد القضاة بأن العدالة تُطبق باسم جميع المواطنين، ولا تمنح السياسيين حصانة خاصة.
أشارت الأحكام إلى أن عدد هذه العقود بلغ نحو 40 عقدًا، وأن إجمالي الأموال المختلسة تجاوز 4.4 ملايين يورو، مع تقديرات بأن المبلغ كان يمكن أن يصل إلى أكثر من 6 ملايين يورو سنويًا لولا فتح التحقيق القضائي عام 2017.
اعتبرت المحكمة أن خطر تكرار المخالفات ما زال قائمًا، بسبب غياب أي اعتراف بالخطأ من المتهمين، واستمرارهم في التشكيك في شرعية القوانين الأوروبية.
قد تمثل هذه القضية نقطة تحول محتملة في المشهد السياسي الفرنسي، حيث إن تأكيد الحكم في الاستئناف، سيعني إلى مارين لوبان نهائيًا من الترشح للانتخابات الرئاسية لعام 2027، ما قد يفتح الباب أمام جوردان بارديلا، الرئيس الحالي للحزب، ليكون المرشح الأبرز لليمين المتطرف.
أما في حال حصول لوبان على البراءة أو تخفيف عقوبة عدم الأهلية، فقد تعود بقوة إلى السباق الرئاسي. وقد سبق لها التأكيد مراراً أنها ستترشح “حتماً” إذا سمح لها القانون بذلك.
27 sec read