خلال الفترة الماضية، بدأ "البروتين الدهني a" يفرض نفسه كعامل خطر صامت، لكنه شديد الأهمية في أمراض القلب، لا سيما لدى النساء. ورغم أن كثيرات يلتزمن بنمط حياة صحي ،وتظهر فحوصات الكوليسترول التقليدية لديهن ضمن المعدلات الطبيعية، فإن ارتفاع هذا البروتين قد يفسّر حدوث نوبات قلبية مفاجئة دون إنذارات واضحة، ما يجعله محور اهتمام متزايد في الأبحاث الطبية الحديثة.
يُعدّ البروتين الدهني a نوعا خاصا من البروتينات الدهنية في الدم، يشبه إلى حدّ كبير الكوليسترول الضار (LDL)، لكنه يتميّز بوجود بروتين إضافي يُعرف باسم "أبوليبوبروتين a". هذا التركيب الفريد يمنحه خصائص أكثر خطورة، إذ لا يكتفي بالمساهمة في ترسّب الدهون داخل الشرايين، بل يرتبط أيضا بزيادة الالتهاب وتعزيز قابلية الدم للتخثّر، وهما عاملان أساسيان في حدوث النوبات القلبية والسكتات الدماغية.
هذا وتكمن خطورة Lp(a) في أن مستوياته وراثية إلى حدّ كبير، أي أنها لا تتأثر بشكل ملحوظ بالنظام الغذائي أو الرياضة أو حتى بفقدان الوزن. وهذا ما يجعله مختلفًا عن معظم دهون الدم الأخرى، ويُفسّر سبب ارتفاعه لدى نساء شابات أو في منتصف العمر لا يعانين من عوامل الخطر التقليدية مثل السمنة أو التدخين أو السكري. بالنسبة للنساء، يزداد هذا الخطر تعقيدًا بسبب التغيرات الهرمونية، خصوصًا بعد انقطاع الطمث، حيث ينخفض تأثير هرمون الإستروجين الوقائي على الشرايين.
تشير الدراسات إلى أن النساء اللواتي يعانين من ارتفاع شديد في مستويات البروتين الدهني a يكنّ أكثر عرضة للإصابة بنوبات قلبية مبكرة، وغالبًا ما تكون هذه النوبات أقل وضوحًا من حيث الأعراض مقارنة بالرجال. فقد لا تظهر الآلام الصدرية الكلاسيكية، بل تتجلى الأعراض على شكل تعب شديد، ضيق في التنفس، غثيان، أو ألم في الظهر والفك، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخر التشخيص والعلاج. وهنا تبرز أهمية الوعي بهذا العامل الخفي الذي قد يفسّر حالات قلبية غير متوقعة لدى النساء.
المقلق في الأمر أن فحص Lp(a) لا يُدرج بشكل روتيني ضمن تحاليل الدهون التقليدية، ما يعني أن كثيرات لا يعلمن بارتفاعه إلا بعد حدوث مشكلة قلبية فعلية. لذلك، بات الأطباء يوصون بإجراء هذا الفحص مرة واحدة على الأقل في العمر، خاصة للنساء اللواتي لديهن تاريخ عائلي لأمراض القلب المبكرة أو نوبات قلبية غير مبررة.
أما من حيث العلاج، فلا توجد حتى الآن أدوية واسعة الانتشار تستهدف خفض البروتين الدهني a بشكل مباشر، رغم وجود علاجات جديدة قيد التجارب السريرية تبعث على التفاؤل. في الوقت الحالي، يركّز النهج الطبي على تقليل الخطر الكلي عبر السيطرة الصارمة على باقي عوامل الخطر، مثل خفض الكوليسترول الضار إلى مستويات منخفضة جدًا، ضبط ضغط الدم، التحكم في سكر الدم، وتبنّي نمط حياة داعم لصحة القلب، حتى وإن لم يكن له تأثير مباشر في Lp(a).
في المحصلة، يشكّل الارتفاع الشديد في البروتين الدهني a جرس إنذار حقيقي لصحة القلب لدى النساء، خاصة لأنه يعمل في الخفاء ولا يتأثر بالإجراءات التقليدية. الوعي بهذا العامل، والمطالبة بإجراء فحصه عند وجود عوامل خطر أو تاريخ عائلي، قد يكون خطوة حاسمة في الوقاية من نوبات قلبية مفاجئة وإنقاذ حياة كثيرات قبل فوات الأوان.
2 min read