العلاقة الخفيّة بين النوم والسكري

كانون الثاني 2026 الساعة 00:00
العلاقة الخفيّة بين النوم والسكري

A- A+


لا يعد النوم الجيد رفاهية فحسب، بل هو عنصر أساسي للحفاظ على صحة الجسم وضبط وظائفه الحيوية. بالنسبة لمرضى السكري، يصبح النوم أكثر أهمية، إذ يلعب دورًا مباشرًا في تنظيم مستويات السكر في الدم واستجابة الجسم للأنسولين. ومع تزايد وتيرة الحياة الحديثة، يعاني الكثيرون من قلة النوم أو اضطرابات النوم المزمنة، ما قد يؤدي إلى تفاقم مضاعفات مرض السكري بشكل كبير.

تشير الدراسات إلى أن النوم غير الكافي يقلل من حساسية الجسم للأنسولين، وهي المشكلة الأساسية في داء السكري من النوع الثاني. عندما لا يحصل المريض على ساعات نوم كافية، تتأثر قدرة الجسم على استخدام الأنسولين بكفاءة، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات الجلوكوز في الدم بشكل مستمر. هذا الارتفاع المزمن يزيد من خطر حدوث مضاعفات خطيرة مثل أمراض القلب والكلى وتلف الأعصاب.

إضافة إلى ذلك، قلة النوم تؤثر على إفراز هرمونات الجسم المهمة مثل هرمون الكورتيزول واللبتين والغريلين. هرمون الكورتيزول، المعروف باسم «هرمون التوتر»، يزداد إفرازه عند السهر أو النوم القصير، مما يعزز ارتفاع السكر في الدم ويزيد من مقاومة الأنسولين. كما أن اضطرابات النوم تغير من مستويات هرمون اللبتين والغريلين المسؤولين عن الشهية، فتزيد الرغبة في تناول الأطعمة الغنية بالسكر والدهون، وهو ما يفاقم التحكم في السكر ويجعل إدارة مرض السكري أكثر صعوبة.

من الناحية النفسية، يعاني مرضى السكري الذين ينامون قليلًا من ارتفاع معدلات التوتر والقلق والاكتئاب، وهو عامل إضافي يزيد من صعوبة التحكم في المرض. فالإجهاد النفسي لا يؤثر فقط على الحالة المزاجية، بل يرفع مستويات السكر في الدم ويضعف قدرة الجسم على تنظيمه، ما يخلق حلقة مفرغة بين قلة النوم، التوتر، وارتفاع الجلوكوز.

هذا ويكمن الحل في إعطاء النوم نفس القدر من الاهتمام مثل النظام الغذائي المتوازن وممارسة التمارين الرياضية المنتظمة. ينصح خبراء السكري بالحفاظ على روتين نوم ثابت من خلال الذهاب إلى الفراش والاستيقاظ في نفس المواعيد يوميًا، وهو أمر يساعد الجسم على تنظيم الساعة البيولوجية وتحسين إفراز هرمونات التحكم في السكر. كما يُفضل تقليل استهلاك الكافيين والسكريات قبل النوم، وتجنب استخدام الهواتف الذكية أو الأجهزة الإلكترونية لمدة ساعة على الأقل قبل الخلود للفراش، لما لهذه الشاشات من تأثير على جودة النوم عبر تثبيط هرمون الميلاتونين المسؤول عن الإحساس بالنعاس.

إضافة إلى ذلك، تُظهر الدراسات أن ممارسة التمارين الخفيفة أو المعتدلة خلال النهار، مثل المشي أو تمارين الإطالة، تساعد على تحسين نوعية النوم وتقليل التوتر، ما ينعكس بشكل مباشر على ضبط مستويات الجلوكوز في الدم. ويمكن أيضًا اللجوء إلى تقنيات الاسترخاء الذهني مثل التنفس العميق، التأمل، أو اليوغا الخفيفة قبل النوم، فهي تقلل من إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، وتساعد الجسم على الدخول في مرحلة النوم العميق التي تعتبر الأكثر فائدة للتحكم في السكر والطاقة.

في النهاية، يجب على مرضى السكري إدراك أن قلة النوم ليست مجرد مشكلة ثانوية أو عامل تعب مؤقت، بل هي عنصر أساسي يؤثر على صحتهم العامة وفعالية العلاج اليومي. الاهتمام بالنوم الكافي لا يقتصر دوره على ضبط مستويات السكر في الدم فحسب، بل يساهم أيضًا في تقليل مخاطر المضاعفات المزمنة المرتبطة بالسكري، مثل أمراض القلب والكلى والأعصاب. إن تبني عادات نوم صحية يُعد استثمارًا طويل الأمد يمنح المريض فرصة أفضل للحفاظ على حياة متوازنة، صحية، ونشيطة، ويعزز قدرته على مواجهة تحديات المرض اليومية بثقة وفعالية.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration