1 min readبعد جلسة الموازنة… أي يوروبوندز يريد غسان حاصباني التفاوض عليها؟
بعد جلسة مناقشة الموازنة العامة في مجلس النواب، وما تخلّلها من مداخلات سياسية ومالية، برز موقف النائب غسان حاصباني ممثل القوات اللبنانية، الذي اعتبر أنّ الموازنة، رغم بعض التحسّن في الأرقام، لا تشكّل إنجازًا نوعيًا طالما أنّ الحكومة لم تبادر إلى التفاوض مع حملة اليوروبوندز، ورأى في هذا الغياب دليلاً على غياب الإصلاح البنيوي الحقيقي.
هذا الكلام، في توقيته وسياقه يستدعي العودة إلى أصل ملف اليوروبوندز، وكيف وصل لبنان أصلًا إلى مرحلة التفاوض مع دائنين خارجيين، بعد أن كان هذا الدين في غالبيته دينًا داخليًا.
عندما أعلنت الحكومة اللبنانية تعثّرها عن سداد فوائد وسندات اليوروبوندز في آذار 2020، كانت الوقائع واضحة: أكثر 75 في المئة من مالكي هذه السندات كانوا من المصارف اللبنانية، إضافة إلى مصرف لبنان. وعلى هذا الأساس، انطلقت المفاوضات الأولى بين الحكومة وحملة السندات على قاعدة بدت منطقية يومها: تفاوض داخلي بين الدولة ومصارفها، يهدف إلى إدارة تعثّر منظّم، وتوزيع الخسائر ضمن الإطار اللبناني، بما يحفظ المصلحة السيادية ويمنع تدويل الأزمة.
وبالفعل، عُقدت جولات تفاوض أولى بين اللجنة الوزارية برئاسة رئيس الحكومة آنذاك حسان دياب وأصحاب المصارف، على اعتبار أنهم حملة السندات الأساسيون. غير أنّ هذا المسار لم يلبث أن انهار سريعًا. ففي الجولة الثالثة، فوجئت الحكومة بإبلاغها أنّ المصارف اللبنانية لم تعد تملك الجزء الأكبر من اليوروبوندز، بعدما عمدت إلى بيعها لجهات استثمارية خارجية، وبأسعار متدنّية تحت حجة أنها تحتاج إلى سيولة رغم أن المصارف كانت تمتنع آنذاك عن دفع ودائع المودعين.
بهذا القرار، خرجت المصارف من موقع “حملة السندات”، وأسقطت إمكان التفاوض الداخلي، وفرضت واقعًا جديدًا: نزاع مالي خارجي بين الدولة اللبنانية ودائنين دوليين. ويعد هذا التحوّل إفشالًا لخطة التعثّر المنظّم التي كانت الحكومة تحاول السير بها، ونقل عبء الخسائر من ميزانيات المصارف إلى كاهل الدولة والمجتمع.
من هنا، يصبح من الضروري التمييز بين نوعين من حملة اليوروبوندز، وهو تمييز غالبًا ما يُتجاهل في الخطاب السياسي. هناك جهات خارجية كانت تمتلك السندات منذ البداية، كمستثمرين تقليديين في الدين اللبناني، وهناك جهات أخرى دخلت إلى المشهد بعد 2020، بعدما اشترت السندات من المصارف اللبنانية نفسها، مستفيدة من انهيار الأسعار ومن قرار داخلي بالبيع. التعامل مع هذين النوعين ككتلة واحدة، والدفاع عن “حقوق حملة اليوروبوندز” من دون هذا التفريق، يعني عمليًا القفز فوق أصل المشكلة.
من هذا المنطلق، لا ينصبّ الاعتراض على كلام غسان حاصباني على مبدأ التفاوض بحدّ ذاته، انما على ترتيب الأولويات. فالتفاوض مع حملة اليوروبوندز قد يكون جزءًا من أي مسار تعافٍ مالي في مرحلة لاحقة، لكن السؤال الجوهري يبقى: لماذا يبدأ الخطاب الإصلاحي من الدائن الخارجي، ولا يبدأ من مساءلة المصارف التي سلّمته هذا الموقع التفاوضي؟
كان الأجدى، قبل المطالبة بالتفاوض مع حملة اليوروبوندز، أن يُطرح في المجلس النيابي سؤال أبسط وأخطر في آن: لماذا باعت المصارف سندات كانت تملكها بأغلبية ساحقة؟ من اتخذ قرار البيع؟ وبأي أسعار؟ وهل كان ذلك خيارًا فرديًا أم قرارًا منظمًا؟ والأهم، لماذا لم تُحاسَب المصارف على خطوة أدّت إلى تدويل الأزمة وإضعاف موقع الدولة اللبنانية؟
في هذا السياق، يبرز سؤال سياسي مشروع لا يمكن تجاهله: لماذا هذا الاهتمام المتقدّم بحقوق حملة اليوروبوندز الخارجيين، مقابل صمت كامل حيال الدور الذي لعبته المصارف في إفشال خطة الحكومة عام 2020، والإضرار بالمصالح اللبنانية العليا؟
طرح هذا السؤال لا يعني اتهامًا مباشرًا، لكنه يفرض إعادة النظر في منطق النقاش الدائر اليوم. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل، ولا يستقيم أي تفاوض مع دائنين دوليين قبل الإجابة عن السؤال الأساسي: من باع؟ ولماذا؟ وعلى حساب من؟
من دون هذه الإجابة، يبقى الحديث عن اليوروبوندز ناقصًا، وبلا عدالة في توزيع الخسائر.
المزيد من خاص الموقع
تقارير أمنية تحذر من خروج طرابلس عن السيطرة؟!
14 sec read
أوهام لبنانية... وإهانة "إسرائيلية".. وواشنطن تكذب!
23 sec read
باريس شاركت في اجتماعات "تامبا"
16 sec read
اللقاء القيادي في " عين التينة"..نقاش استراتيجي بين" الثنائي"..وانتخابات
27 sec read
التزام بلدي بقانون الشراء العام
23 sec read
خمسون دولة تشارك في مؤتمر باريس
35 sec read
"بلبلة" في تيار المستقبل..كيف نتعامل مع "الرسالة" السعودية؟
24 sec read
/file/attachments/2180/5d5d1a9ea749017489bf1de23320267c_825247.jpeg)
/file/attachments/2178/IMG-20240412-WA0027-800x549_130640.jpg)