قد يمرّ فقدان التركيز أو النسيان العابر دون أن يثير القلق، لكن حين يصبح التشتت الذهني رفيقا يوميا، يبدأ السؤال الحقيقي بالظهور: هل يمكن لمرض مزمن مثل السكري أن يترك أثرا على الذاكرة؟ في السنوات الأخيرة، لم يعد السكري يُنظر إليه على أنه مرض يقتصر تأثيره على مستويات السكر في الدم فقط، بل بات يُصنَّف كحالة صحية شاملة تمتد تداعياتها إلى الدماغ والوظائف الإدراكية، وفي مقدمتها الذاكرة.
يرتبط الدماغ ارتباطا وثيقا بتوازن الغلوكوز في الجسم، إذ يُعد السكر المصدر الأساسي للطاقة التي يحتاجها لأداء وظائفه الحيوية. وعندما ترتفع أو تنخفض مستويات السكر بشكل متكرر، يتعرض الدماغ لحالة من عدم الاستقرار الطاقي، ما يؤثر على كفاءة الخلايا العصبية وقدرتها على التواصل فيما بينها. ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا الخلل إلى ضعف في التركيز، وبطء في معالجة المعلومات، وصعوبة في استرجاع الذكريات، خصوصًا لدى المصابين بالسكري غير المنضبط.
ولا يقتصر تأثير السكري على الذاكرة قصيرة المدى فحسب، بل يمتد ليشمل الذاكرة طويلة المدى أيضا. إذ تُظهر الدراسات أن الارتفاع المزمن في مستويات السكر في الدم يمكن أن يُلحق ضررًا بالأوعية الدموية الدقيقة المغذية للدماغ، مما يقلل من تدفق الأكسجين والعناصر الغذائية إلى المناطق المسؤولة عن التعلم والتذكر، مثل الحُصين. هذا التراجع التدريجي في التروية الدموية قد يُسرّع من شيخوخة الدماغ ويزيد من خطر التدهور المعرفي مع التقدم في العمر.
كما تلعب نوبات انخفاض السكر الحاد دورا لا يقل خطورة، خاصة لدى مرضى السكري الذين يستخدمون الإنسولين أو بعض الأدوية الخافضة للسكر. ففي حالات الهبوط الشديد، قد يتعرض الدماغ لإجهاد مفاجئ نتيجة نقص الطاقة، ما يؤثر مؤقتًا أو دائمًا على الذاكرة والانتباه. وتكرار هذه النوبات قد يترك آثارًا تراكمية تُضعف الأداء الذهني بمرور الزمن.
ومن زاوية أخرى، يسهم الالتهاب المزمن المرتبط بمرض السكري ومقاومة الإنسولين في إحداث تغيّرات دقيقة لكن عميقة في صحة الدماغ. فارتفاع مستويات السكر لفترات طويلة يحفّز استجابة التهابية مستمرة داخل الجسم، تمتد آثارها إلى الجهاز العصبي المركزي. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن هذه الحالة الالتهابية قد تُضعف قدرة الخلايا العصبية على التواصل فيما بينها، وتحدّ من تكوين روابط عصبية جديدة، وهي عملية أساسية للتعلم، وترسيخ الذكريات، والحفاظ على المرونة الذهنية. ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا الخلل إلى تراجع تدريجي في القدرات الإدراكية، حتى لدى الأشخاص الذين لا تظهر عليهم أعراض عصبية واضحة في المراحل المبكرة.
إلى جانب ذلك، يرتبط السكري بزيادة خطر الإصابة بأمراض تنكسية عصبية، مثل الخرف ومرض ألزهايمر، حيث يُطلق على هذه العلاقة أحيانًا مصطلح "السكري من النوع الثالث" في إشارة إلى دور مقاومة الإنسولين في الدماغ. إذ تؤثر هذه المقاومة على قدرة الخلايا العصبية على استخدام الغلوكوز بكفاءة، ما يسرّع من تلفها ويضعف آليات الإصلاح الطبيعية. ويُعزّز هذا الترابط القلق المتزايد بشأن التأثير طويل الأمد للسكري على الذاكرة، والانتباه، والقدرة على اتخاذ القرار.
ورغم هذه التحديات المعقّدة، فإن التأثير السلبي للسكري على الذاكرة لا يُعد مسارا حتميا. فالتحكم الجيد بمستويات السكر في الدم يشكّل خط الدفاع الأول لحماية الدماغ، خصوصًا عند اقترانه بنمط حياة صحي ومتوازن. وتلعب التغذية السليمة الغنية بالعناصر المضادة للالتهاب، إلى جانب النشاط البدني المنتظم، دورًا مهمًا في تحسين حساسية الإنسولين وتعزيز تدفق الدم إلى الدماغ. كما يُعد النوم الكافي عنصرًا أساسيًا في دعم عمليات ترميم الخلايا العصبية وتثبيت الذاكرة.
إضافة إلى ذلك، يُسهم التحفيز الذهني المستمر، مثل القراءة، وتعلّم مهارات جديدة، والانخراط في أنشطة ذهنية واجتماعية، في تعزيز ما يُعرف بالاحتياطي المعرفي، وهو قدرة الدماغ على التكيّف والتعويض عن التغيرات المرضية. ويُظهر هذا المفهوم أن الدماغ يمتلك مرونة فريدة تُمكّنه من الحفاظ على كفاءته الوظيفية رغم التحديات الصحية، متى ما توفرت له الظروف الداعمة.
في المحصلة، يكشف مرض السكري عن وجهٍ آخر يتجاوز الأعراض الجسدية المعروفة ليطال جوهر القدرات الذهنية والذاكرة. غير أن الوعي المبكر، والمتابعة الطبية المنتظمة، والالتزام بأسلوب حياة صحي، تظل عوامل حاسمة في الحد من مخاطره المعرفية، والحفاظ على دماغ نشط وذاكرة قوية، حتى في ظل التعايش طويل الأمد مع هذا المرض المزمن.
2 min read