لطالما اعتُبر الوزن هو المؤشر الأساسي للحكم على صحة الإنسان، خصوصًا عند الحديث عن مخاطر أمراض القلب، غير أن الأبحاث الطبية الحديثة باتت تُشير بوضوح إلى أن محيط الخصر قد يكون مؤشرًا أدقّ وأكثر خطورة من الوزن أو حتى مؤشر كتلة الجسم. فطريقة توزّع الدهون في الجسم، لا كميتها فقط، تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مستوى الخطر القلبي والتمثيلي الذي قد يواجهه الفرد على المدى الطويل.
تكمن خطورة محيط الخصر في ارتباطه المباشر بما يُعرف بالدهون الحشوية، وهي الدهون التي تتراكم في منطقة البطن وتحيط بالأعضاء الحيوية مثل الكبد والبنكرياس والقلب. وعلى عكس الدهون تحت الجلد، تُعد الدهون الحشوية نشطة أيضيًا، إذ تفرز مواد التهابية وهرمونات تُؤثر سلبًا على ضغط الدم، ومستويات السكر في الدم، وحساسية الإنسولين، ما يخلق بيئة مثالية لتطور أمراض القلب والشرايين حتى لدى الأشخاص ذوي الوزن الطبيعي.
في هذا السياق، أظهرت دراسات واسعة النطاق أن أشخاصًا يتمتعون بوزن "طبيعي" وفق مؤشر كتلة الجسم، لكنهم يعانون من محيط خصر مرتفع، يواجهون خطرًا أعلى للإصابة بأمراض القلب مقارنة بأشخاص أثقل وزنًا لكن دهونهم موزعة بشكل متوازن. ويُعرف هذا النمط أحيانًا باسم "السمنة الأيضية عند ذوي الوزن الطبيعي، وهو يفسّر لماذا قد يُصاب بعض النحفاء بنوبات قلبية أو سكري من النوع الثاني رغم عدم ظهور مؤشرات تقليدية للسمنة.
ولا يقتصر تأثير زيادة محيط الخصر على الشرايين فحسب، بل يمتد ليشمل اضطرابات الدهون في الدم، وارتفاع مستويات الكوليسترول الضار، وانخفاض الكوليسترول الجيد، إضافة إلى زيادة خطر الالتهابات المزمنة التي تُعد عاملًا أساسيًا في تصلّب الشرايين. كما ترتبط دهون البطن بزيادة إفراز هرمون الكورتيزول، ما يساهم في رفع ضغط الدم وتسريع تلف الأوعية الدموية مع مرور الوقت.
الأهم من ذلك أن قياس محيط الخصر يُعد أداة بسيطة وفعّالة لا تتطلب أجهزة معقدة أو حسابات رياضية، ومع ذلك لا تزال مُهملة في كثير من الفحوصات الروتينية. وقد أوصت مؤسسات صحية عالمية بإعطاء هذا القياس أهمية أكبر، خاصة أن تغيّره يُعطي إنذارًا مبكرًا حول تدهور الصحة القلبية حتى قبل ارتفاع الوزن بشكل ملحوظ.
من الناحية الوقائية، فإن تقليل محيط الخصر لا يعتمد فقط على خفض السعرات الحرارية، بل يتطلب نمط حياة متكامل يشمل النشاط البدني المنتظم، خصوصًا التمارين التي تُحفّز حرق الدهون الحشوية، إلى جانب تحسين جودة الغذاء وتقليل السكريات والنشويات المكررة، والنوم الكافي، وإدارة التوتر النفسي الذي يلعب دورًا مباشرًا في تراكم الدهون في منطقة البطن.
في المحصلة، لم يعد السؤال الصحي الأهم هو "كم تزن؟" بل "أين يتجمع وزنك؟". فمحيط الخصر يقدّم نافذة أوضح على صحة القلب ومستقبلها، ويُعيد توجيه التركيز من الأرقام على الميزان إلى فهم أعمق لطبيعة الجسم ومخاطره الخفية. إدراك هذه الحقيقة قد يكون خطوة فارقة في الوقاية من أمراض القلب التي لا تزال السبب الأول للوفاة عالميًا.
2 min read