قد يبدو القلب قويا وصامتا في أدائه اليومي، لكن داخله قد تتشكّل تغيرات خطرة لا تُعلن عن نفسها إلا بعد فوات الأوان. من بين أخطر هذه التهديدات الصامتة تكلّس الشرايين التاجية، أو ما يُعرف بتكوّن الكالسيوم في القلب، وهي حالة تتطور تدريجيا على مدى سنوات من دون أن يشعر بها المصاب. ومع أن الكالسيوم عنصر أساسي لصحة العظام، إلا أن تحوّله إلى ترسّبات داخل الشرايين، قد يقلب دوره من عنصر داعم للحياة إلى عامل يهدّدها، عبر إضعاف مرونة الشرايين، وعرقلة تدفّق الدم إلى عضلة القلب.
ترتبط عملية التكلّس ارتباطًا وثيقا بتصلّب الشرايين، وهو اضطراب يبدأ عادة بتراكم الدهون والكوليسترول والمواد الالتهابية داخل جدار الشريان. ومع استمرار الالتهاب المزمن، يتعامل الجسم مع هذه الترسبات كما لو كانت إصابة، فيُحفّز آليات ترميم غير طبيعية، تؤدي إلى ترسّب الكالسيوم كجزء من محاولة "تثبيت" اللويحات الدهنية. إلا أن هذا التثبيت الظاهري يأتي على حساب مرونة الشرايين ووظيفتها الحيوية، ما يجعلها أكثر عرضة للانسداد أو التمزّق.
تُعدّ فئة كبار السن من أكثر الفئات عرضة للإصابة بتكلّس الشرايين التاجية، إذ يزداد احتمال ترسّب الكالسيوم مع التقدم في العمر، نتيجة التعرّض الطويل لعوامل الخطر، وتراجع قدرة الجسم على إصلاح الأنسجة بشكل سليم. كما يظهر المرض بشكل أكثر شيوعا لدى الرجال مقارنة بالنساء قبل سن اليأس، في حين تتقارب النسب بعد انقطاع الطمث، حيث يؤدي انخفاض هرمون الإستروجين لدى النساء، إلى فقدان أحد عوامل الحماية الطبيعية للقلب والشرايين.
إلى جانب العمر والجنس، تلعب العوامل الوراثية دورا مهما في زيادة قابلية الإصابة. فالأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي لأمراض القلب المبكرة، يكونون أكثر عرضة لتطور التكلّس في الشرايين، حتى في حال عدم وجود عوامل خطر واضحة أخرى. ويُعتقد أن بعض الجينات تؤثر في طريقة تعامل الجسم مع الكالسيوم والدهون والالتهابات، ما يسرّع من عملية التكلّس.
وتُعتبر أنماط الحياة غير الصحية، من أبرز المحفّزات لحدوث تكلّس الشرايين التاجية. فالتدخين، على سبيل المثال، يُلحق أضرارا مباشرة ببطانة الشرايين، ويعزز الالتهاب والإجهاد التأكسدي، ما يهيّئ البيئة المناسبة لترسّب الكالسيوم. كما أن النظام الغذائي الغني بالدهون المشبعة والسكريات، والفقير بالألياف والخضروات، يساهم في ارتفاع مستويات الكوليسترول الضار واضطراب توازن المعادن في الجسم، ما يسرّع من تصلّب الشرايين.
هذا وتلعب الأمراض المزمنة دورا محوريا في تطور هذه الحالة، ويأتي في مقدمتها داء السكري وارتفاع ضغط الدم. فارتفاع مستويات السكر في الدم، يؤدي إلى تلف الأوعية الدموية الدقيقة ويعزّز الالتهاب المزمن، في حين يُسبب ضغط الدم المرتفع إجهادا مستمرا على جدران الشرايين، ما يجعلها أكثر قابلية للتصلّب والتكلّس. كما أن مرضى الكلى المزمنين يُعدّون من الفئات عالية الخطورة، نظرا لاختلال توازن الكالسيوم والفوسفور في أجسامهم، وهو ما ينعكس مباشرة على صحة الأوعية الدموية.
ولا يمكن إغفال دور قلة النشاط البدني وزيادة الوزن في تسريع هذه العملية. فالنشاط الجسدي المنتظم يساعد على تحسين وظيفة الشرايين، وتنظيم مستويات الدهون والسكر في الدم، بينما تؤدي السمنة إلى زيادة الالتهاب في الجسم ورفع عبء العمل على القلب. ومع غياب الحركة، تتفاقم هذه العوامل مجتمعة، ما يخلق بيئة مثالية لتطوّر التكلّس على المدى الطويل.
في المحصلة، لا يُعدّ تكلّس الشرايين التاجية نتيجة عامل واحد، بل هو حصيلة تفاعل معقّد بين التقدم في العمر، والاستعداد الوراثي، ونمط الحياة، والأمراض المزمنة. وتكمن خطورته في كونه يتطور بصمت، ما يجعل الوقاية والكشف المبكر عنصرين أساسيين للحد من آثاره. إن تبنّي نمط حياة صحي، وضبط عوامل الخطر، والمتابعة الطبية المنتظمة، تبقى الركائز الأهم للحفاظ على صحة القلب وتقليل احتمالات الإصابة بهذا الاضطراب الصامت والخطير.
2 min read