الرابط الخفي بين السهر والنوبات القلبيّة

شباط 2026 الساعة 00:00
الرابط الخفي بين السهر والنوبات القلبيّة

A- A+

لم يعد السهر مجرّد عادة اجتماعية مرتبطة بنمط الحياة الحديث، بل تحوّل إلى قضية صحية تثير قلق الأطباء والباحثين حول العالم، خصوصا مع تزايد الأدلة التي تربطه بتدهور صحة القلب والأوعية الدموية. ففي عصر الشاشات والعمل الليلي والضغوط اليومية، أصبح النوم غير المنتظم جزءا من الروتين اليومي لكثيرين، ما يطرح تساؤلات جدية حول الثمن الصحي الذي يدفعه القلب نتيجة هذا الخلل المزمن في إيقاع النوم.

تشير الدراسات الحديثة إلى أن اضطراب الساعة البيولوجية الناتج عن السهر، يؤثر مباشرة على وظائف القلب. فالجسم مبرمج بيولوجيا على فترات نوم ليلية منتظمة تسمح بانخفاض ضغط الدم ومعدل ضربات القلب، ما يمنح الجهاز القلبي الوعائي فرصة للتعافي. وعندما يُحرم الجسم من هذا التوازن، يبقى القلب في حالة إجهاد مستمر، مما يؤدي على المدى الطويل إلى ارتفاع ضغط الدم وزيادة خطر الإصابة بأمراض الشرايين التاجية.

ولا يقتصر تأثير السهر على المؤشرات الحيوية الظاهرة فحسب، بل يمتد ليشمل اضطرابات هرمونية معقدة. فقلة النوم تؤدي إلى ارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر، والذي يساهم في زيادة الالتهابات داخل الأوعية الدموية ويعزز تراكم الدهون في الشرايين. كما تؤثر قلة النوم على هرمونات تنظيم الشهية، ما يدفع إلى الإفراط في تناول الطعام، خاصة الوجبات الغنية بالدهون والسكريات، وهو عامل إضافي يفاقم مخاطر أمراض القلب.

من ناحية أخرى، أظهرت أبحاث واسعة أن الأشخاص الذين يسهرون بانتظام يكونون أكثر عرضة لاضطرابات التمثيل الغذائي، مثل مقاومة الإنسولين وزيادة مستويات الكوليسترول الضار، وهي عوامل معروفة بارتباطها الوثيق بأمراض القلب. كما أن السهر غالبًا ما يترافق مع أنماط حياة غير صحية، مثل قلة النشاط البدني، التدخين، وزيادة الاعتماد على المنبهات، ما يخلق حلقة مفرغة من العوامل التي تضعف صحة القلب تدريجيًا دون أعراض فورية واضحة.

وتبرز الخطورة الحقيقية للسهر في كونه تأثيرا تراكميا صامتا. فالكثيرون لا يشعرون بتدهور فوري في صحتهم، إلا أن الضرر يتراكم على مدى سنوات، ليظهر لاحقا في شكل نوبات قلبية أو اضطرابات في نظم القلب. وقد أظهرت دراسات سكانية أن الأشخاص الذين ينامون أقل من ست ساعات يوميًا أو يعانون من نوم غير منتظم يواجهون خطرا أعلى للإصابة بأمراض القلب مقارنةً بمن يحافظون على نمط نوم صحي ومنتظم.

في المقابل، تؤكد الأبحاث أن تحسين جودة النوم والالتزام بساعات نوم ثابتة يمكن أن يلعب دورا وقائيا مهما في الحفاظ على صحة القلب. فالنوم الكافي يساهم في تنظيم ضغط الدم، تقليل الالتهابات، وتحسين التوازن الهرموني، مما ينعكس إيجابًا على أداء القلب ووظائفه. لذلك، لم يعد النوم ترفًا أو رفاهية، بل ضرورة صحية أساسية توازي في أهميتها التغذية السليمة والنشاط البدني.

إلى ذلك، يمكن القول إن السهر المنتظم لا يشكل خطرا عابرا، بل عاملا مؤثرا في تدهور صحة القلب على المدى الطويل. ومع تسارع وتيرة الحياة الحديثة، تصبح إعادة الاعتبار للنوم الصحي خطوة ضرورية لحماية القلب وضمان جودة حياة أفضل. فالقلب، مثل أي عضو حيوي، يحتاج إلى الراحة بقدر حاجته إلى الحركة، والنوم المنتظم يبقى أحد أهم مفاتيح الحفاظ على صحته وسلامته. 

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration