تمضي كل الاطراف المعنية بمآلات المرحلة المقبلة على الساحة اللبنانية في طريقها، دون التوقف عند التقاطعات، لكن سيكون التوقف ضروريا بعد حين، كي لا يصبح الصدام حتميا، خصوصا ان احدا لا يضمن النجاة، اذا لم يتم ايجاد مخارج تمنح الجميع قدرا من الامان، في ظل تعقيدات خارجية تزيد من توتر الأوضاع الداخلية، حيث يسير الجميع في "حقل من الالغام"، وتزداد الخشية من اي "دعسة" ناقصة، تتسبب بانفجار سياسي او امني غير محسوب العواقب.
هذه الخلاصة، تشكل قناعة عند رئيس مجلس النواب نبيه بري العارف ببواطن الامور، ووفق مصادر مطلعة، يعمل على تأمين "هبوط آمن" للجميع ، بعد ان لمس بان قواعد اللعبة بدأت تهتز، واخذت منحى شديد الخطورة، اثر السجالات الحادة التي تلت اطلالاتي رئيس الجمهورية جوزاف عون الاعلاميتين، وخطابات الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، وبعد ان ايقن بأن سوء فهم عميق تسبب بالازمة، تدخل لوصل ما انقطع، وتبين ان الطرفين غير معنيين بتوتير العلاقة. وساهمت سلسلة التوضيحات المتبادلة في تهدئة الامور، دون ان تلغي التباينات التي لا تزال موجودة حيال مقاربة التحديات المقبلة، وهو ما تظهر من خلال الخطوط العامة لموقف حزب الله المكرر والثابت عبر أمينه العام، وموقف الدولة المكرر والثابت والمعبر عنه بمواقف الرئيس عون من جهة.
هذه التعقيدات دفعت بري الى تقديم النصائح لكلا الطرفين، بضرورة اعتماد خطاب هادىء، للعبور بهذه المرحلة باقل الاضرار الممكنة، وهو ما يحاول البعض تسويقه على انه تباين مع الحزب. لكن بري، ووفق مصادر" الثنائي"، بات متفهما اكثر لاضطرار حزب الله الى رفع الصوت، بعد "شطحات" رئيس الحكومة نواف سلام الذي يبدو منقطعا عن الواقع، او في غيبوبة عندما يتحدث عن الاستقرار في البلاد ، فيما تنتهك "اسرائيل" السيادة يوميا وتقتل من اللبنانيين ليل نهار. علما ان الرئيس بري كان صريحا معه في اللقاء الاخير ، عندما طلب منه التشدد في ضبط وزير الخارجية، وتقديم خطاب اقل استفزازا، لكن سلام يصر على مواقفه الاشكالية، مع تعديل شكلي هذه المرة، حيث تحدث "باللهجة المصرية" من دبي، في مشهد "سريالي" غير قابل للتفسير والفهم.
في هذا الوقت، "العين" على جولة قائد الجيش ردولف هيكل على المسؤولين الاميركيين، واذا كان ما يحمله من ملفات ومواقف معروفة، الا ان الانتظار سيد الموقف، برأي مصادر سياسية بازرة، حيال ما سيطلبه الاميركيون الذين يطبقون على السياسة الخارجية، ويتحكمون بالسياسة المالية والنقدية، والآن يريدون ادارة الملف الامني بما يتناسب مع مصالحهم في لبنان والمنطقة. وما تسرب من واشنطن، يشير الى دراسة اللوائح المقدمة من قبل قيادة الجيش للتسلح لا تزال قيد الدراسة، كما ان الاعجاب بما تقوم به وحدات الجيش جنوب الليطاني لم يتبدل، لكن الجديد الملفت، ليس خطة شمال الليطاني، بل وجود اهتمام اميركي بمنطقة البقاع، حيث ابلغ احد نواب الكونغرس عددا من الطواقم الاعلامية المهتمة بالزيارة، ان البحث المعمق داخل الدوائر الأميركية، يتعلق بكيفية تعامل الجيش مع وجود السلاح، وخصوصا الدقيق والنوعي، في منطقة بعلبك والهرمل، وكذلك قرى البقاع الاوسط، وهو امر اثار الكثير من علامات الاستفهام حول هذه الصحوة المفاجئة على هذه المنطقة المحاذية لسوريا، وتشكل عمقا استراتيجيا دفاعيا لحزب الله؟!
امام هذه التعقيدات الاقليمية والداخلية، حاول الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم ايجاد ثغرة في جدار الحوار الداخلي المتعثر، وبحسب تلك الاوساط، استجاب لدعوة بري في مد جسور مع "الطرف الآخر"، فطرح فكرة الحوار حول كيفية التصدي للعدوان الاسرائيلي، في محاولة لخلق مناخ داخلي هادىء يقارب الملف من زاوية المصلحة الوطنية، وهي فكرة وضعها على "الطاولة" علنا، كي يحوّل موقف استعداد حزب الله لمناقشة الاستراتيجية الوطنية، الى واقع لا مجرد طرح. واللافت هذه المرة انه لم يضع وقف العدوان، والانسحاب الاسرائيلي، واطلاق الاسرى شرطا مسبقا، لاجراء مناقشة ملف السلاح في اطار الاستفادة منه للدفاع عن لبنان.
هذه المبادرة تنتظر من يلاقيها على الضفة الاخرى، لكن لا تبدو الاجواء مفعمة بالتفاؤل، لان خصوم الحزب يرون فيها موقف ضعف، في ظل حالة انتظار تعيشها المنطقة في ضوء التوتر بين ايران والولايات المتحدة. فاذا اندلعت الحرب، كل الحسابات ستكون مختلفة في ضوء النتائج، حتى نافذة الامل في نجاح المفاوضات المفترضة بين الجانبين، واحتمال انعكاسها ايجابيا على لبنان تبقى محل شك، برأي تلك المصادر، والقلق من فترة الفراغ المفترضة، لان المنطقة قد تكون امام جولات من التفاوض تستمر بضعة أسابيع على الأقل إن لم يكن أشهراً، وخلال هذه الفترة قد يحتاج "الكباش" الديبلوماسي الى رسائل بالنار، ولان الجبهة اللبنانية "صندوق بريد" معتمد، فلا شيء يدعو للطمأنينة، خصوصا ان "اسرائيل" تتحضر لانتخابات تشريعية، قد تحتاج الى تصعيد يمنح رئيس حكومة العدو بنيامين نتانياهو زخم يحتاجه، في ظل تراجع شعبيته بين الاسرائيليين.
في الخلاصة، يبقى المشهد غامضا، لكن المرحلة صعبة، واذا سمح الخارج بفتح قنوات الحوار الداخلي، فانها ستسلك طريقها نحو طرح ملف السلاح جديا، بعد ان بات حزب الله اكثر انفتاحا على مناقشته لاول مرة، في ضوء مقاربة موضوعية تسمح بانتقال سلس من مرحلة الى اخرى. لكن حتى الآن ثمة من يراهن على الانتصار على الحزب "بالضربة القاضية"، في ضوء موازين القوى الجديدة في المنطقة، وهذا سيعقد المشهد، ويؤدي الى انفجاره في مرحلة لاحقة، اذا اختلت التوازنات اكثر لصالح اي من الطرفين. ويبقى الرهان على دور للرئيس بري، ليجعل من "الهبوط" آمنا للجميع....لكن امام "لعبة الامم" تبدو الخريطة اللبنانية صغيرة جدا، ولهذا تبدو مهمة الانقاذ صعبة!
2 min read