جوزاف عون ما بين هنري كيسنجر وتوماس هوبز

جوزاف عون ما بين هنري كيسنجر وتوماس هوبز

A- A+

يمر لبنان في مرحلة تحوّل جذري بعد انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، بعد فراغ دام أكثر من عامين، حيث جسد هذا الانتخاب رغبة اللبنانيين والمجتمع الدولي في إعادة النهوض بلبنان دولة ومؤسسات، بعد مرحلة من الانقسام والشلل أضنت لبنان اقتصادياً وسياسياً وبنيوياً.

بدأ الرئيس منذ خطاب القسم العمل في أسلوب يتقاطع مع أفكار هنري كيسنجر، حول التوازن والشرعية والتوافق وإدارة التناقضات، علماً أن العديد من القوى الفاعلة تتمنى أن تتطابق طريقته مع فكر توماس هوبز، الذي يرى أن الدولة لا تُدار بالتوازنات والتوافق بل بالسلطة المطلقة، وإن أي انقسام في الولاء يحول المجتمع إلى فوضى. فبينما يرى كيسنجر أنّ النظام المستقر يقوم على توازن القوى وعلى شرعية مقبولة من الجميع، يركّز هوبز على ضرورة فرض الدولة سلطتها بالقوة.

يبدو أنّ الرئيس عون يسعى لحد معيّن إلى تطبيق هذه المبادىء في نظام هشّ يقوم على موازين دقيقة بين الطوائف والأحزاب من جهة، والتدخلات الخارجية من جهة أخرى. إننا نحاول في هذا التحليل المبسط، فهم كيفية توظيف جوزاف عون لمفاهيم هنري كيسنجر وتوماس هوبز في الحكم، مع إظهار حيثيات هذه المقاربة ضمن النظام اللبناني.


عون يستعين بأدوات القرن الحادي والعشرين

يرى هنري كيسنجر أنّ استقرار النظام يبنى على توازن القوى، وهذا التوازن يجعل كل لاعب يمتلك ما يكفي من النفوذ لحماية مصالحه دون أن يهيمن على أي طرف آخر. في كتابه (World Order, 2014)، يربط كيسنجر بين الشرعية والاستقرار، كما يطرح مفهوم الديبلوماسية التدرّجية (Incremental Diplomacy) التي تسعى إلى تسويات جزئية تدريجية، وهي طريقة استخدمها لإنجاز معاهدة كامب دايفيد. فبالرغم من أن كيسنجر كان يتعامل مع دول ذات سيادة، بينما عون يتعامل مع طوائف وأحزاب شبه دول في قلب دولة، يظلّ أسلوب كيسنجر عملياً المرجع، لفهم طريقة الرئيس جوزاف عون في إدارة الدولة اللبنانية، في بلد يعجز فيه أي طرف عن تحقيق الانتصار النهائي.

من جهة ثانية، كتب توماس هوبز في القرن السابع عشر رؤية نظرية للدولة، لإنقاذ الإنسان من طبيعته الفوضوية، ولكي يتفادي هذه الفوضى يبرم الناس عقداً اجتماعياً يتنازلون بموجبه عن حريتهم لمصلحة سلطة سيادية مطلقة ومنظّمه تفرض النظام بالقوة (Leviathan, 1651). فالدولة عنده لا تُدار بالتوازنات والتسويات بل بالقوة، التي هي ليست خياراً أخلاقياً بل ضرورة وجودية. وبالرغم من أن النظام اللبناني يشكل نقيضاً مباشراً لنموذج هوبز، يمكن القول إنّ جوزاف عون يستعين بهوبز من جهة السعي إلى إنقاذ لبنان من الفوضى، عبر سلطة تطبق النظام وتُعيد مركزية القرار إلى الدولة، لكنه يفعل ذلك بأدوات القرن الحادي والعشرين عن طريق المشاركة والحوار والتوازن وليس بالقوة.


صيغة النظام اللبناني

يقوم النظام اللبناني على توزيع طائفي ومذهبي للسلطة، وهو مبني على ميثاق وطني (1943) وعلى اتفاق الطائف، حيث أصبحت هذه الصيغة سبباً للتعطيل بعد أن كان من المفترض أن تكون ضمانة للتوازن والشراكة، كما وأنّ التدخل الخارجي جعل القرار اللبناني انعكاساً لصراعات خارجية على أرض الوطن.

في ظلّ هذا الوضع، ضعفت شرعية الدولة وتحوّل الوطن إلى مجموعات والمواطن أضحى ينتمى إلى مجموعة أكثر منه إلى وطن، فهذا الفريق يحتكر بعض السلاح، وذاك الفريق يحتكر قسما من القرار الاقتصادي، وثالث يحتكر بعض الشرعية، ممّا جعل العقد الاجتماعي بين الدولة والشعب منقوصا ومتهالكا لأنّ الناس يطيعون طوائفهم وأحزابهم أكثر مما يطيعون الدولة.


جوزاف عون وتحديات الحكم

تدرّج جوزاف عون في المؤسسة العسكرية وأصبح قائداً للجيش ومنها انتخب رئيساً للجمهورية. منذ اليوم الأول، تعامل من موقعه كحكم وليس كطرف وسعى إلى إعادة بناء دولة تقوم على الكفاءة بدلاً من الحزبية الطائفية فقط، وقد بدأ بخطوات في هذا الاتجاه، مثل تعيين كوادر كفؤ وفق معايير مهنية عالية.

من الناحية الأمنية، يُتوقّع من الرئيس عون أن يواصل استراتيجية كيسنجر وهي "التقدم التدريجي" لتصحيح الهيكل واستعادة قرار الدولة، مستفيداً من الدعم الأميركي والفرنسي. أما على الصعيد السياسي، فيحاول ترسيخ نموذج "لا غالب ولا مغلوب". لذلك، ومن نظرة كيسنجر، يحاول عون إدارة التعقيد تدريجياً عن طريق التوازن وليس عن طريق القوة. أما هوبز فيرى أن الرئيس عون يجب أن يعمل على احتكار السلطة المطلقة قبل أي شيء، وأن يوفّر الأمن للمواطنين ويُطاع لأنه يحمي، لا لكي يكون محبوبا.

وبدل من فرض طاعة هوبز بالقوة، يسعى الرئيس عون إلى بناء الثقة بمؤسسات الدولة عن طريق التوازن والوساطة التي يطرحها كيسنجر، والذي يراها هوبز أنّها ليست إلّا حلّاً ضعيفاً لأنّها تقوم على توازن الخوف لا على الخضوع للقانون؛ فطالما بقي لكل طرف سلاحه وسلطته الخاصة، يبقى المجتمع على حافة الحرب.


دولة القانون والتوازن

يرى هوبز أن دولة القانون لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بالقدرة على فرضها، فالقوانين بلا سلطة تفرضها تبقى كلمات لا معنى لها. أمّا بالنسبة للتوافق فيرى هوبز أنه إذا لم تُرافقه سلطة رادعة، يصبح ضعفاً لأنه يساوي بين من يطيع القانون ومن يتمرّد عليه. لكن كيسنجر يرى أنّ الأنظمة تقوم على صراع المصالح وإن تحقيق السلام والاستقرار يكون نتيجة توازن القوى كما وإنّ إدارة الصراع أهم من حسمه، وإنّ التوازن يبنى بخطوات صغيرة تعيد بناء الثقة وبمنطق التنازلات التدريجية المتبادلة، وهذه الفكرة استخدمها كيسنجر في مفاوضاته.

أما بالنسبة للرئيس عون فهو يعرف أن عدم قدرة الدولة على فرض السلطة بالقوة أمر واقع، لا يمكن إلغاؤه ويجب إصلاحه تدريجياً، وهو يعمل على تقوية الدولة عن طريق تجزئة العقبات وحلّها تدريجياً وهذا سيخفّف حدّة التفرقة الطائفية وتقوية المواطنة، وقد ركّز على ثلاث أدوات: تحييد الجيش، توسيع دائرة المشاركة، وإطلاق مبادرات إصلاحية تدريجية تُقنع الشعب اللبناني والمجتمع الدولي بجدّية الحكم. هذه العناصر تشكّل عملياً إدارة للشرعية التي تحدّث عنها كيسنجر وهي شرعيةٌ التوازن والتوافق والتسوية التدريجية وليس الشرعية المفروضة من الغالب على المغلوب.


عون يسعى الى ترجمة توازن كيسنجر بلغة هوبزية

في الخاتمة، إن الرئيس يعرف أن توازن كيسنجر بلا حلول يمكن أن يؤدي إلى جمود الحكم، وإن الدعم الشعبي الكبير للأحزاب وعدم القدرة على فرض السلطة بالقوة، يشكلان عائقا كبيراً أمام قيام الدولة، ويعرف أيضاً أن تطبيق نظرية هوبز يمكن أن يؤدي إلى انقسام البلد، لكن بالإصلاحات الدستورية وتقوية المؤسسات، سيخفّف مخاطر البقاء في الحلقة المفرغة.

في وضع لا يملك فيه أي طرف القوة الكافية لكسر أي طرف آخر، يتبين أنّ الفكر الكيسنجري أقرب لفهم إدارة النظام اللبناني، فقد تبنّى الرئيس عون مبدأ التوازن بين القوة والشرعية، وطبّق ديبلوماسية الخطوات التدريجية، وأعاد للدولة جزءاً من هيبتها عن طريق "فنّ إدارة التعقيد بدل القضاء عليه".

أما من ناحية هوبز ومنطق السيادة المطلقة، فيسعى الرئيس عون إلى ترجمة توازن كيسنجر بلغة هوبزية، فهو يريد دولة قوية تملك هيبتها من دون تحطيم بنية لبنان التعدّدية، وكأنه يبني نموذجاً ثالثاً: سيادة توافقية لا مطلقة ولا فوضوية، فهو لا يملك "ليفياثان" يحتكر القوّة، ولا يقبل أن يبقى رهينة توازن كيسنجري هشّ بدون حلول جذرية، لذلك يعتمد أسلوبه الخاص، حيث يأخذ من هوبز ضرورة السلطة المركزية التي تفرض النظام وتمنع الفوضى، ويأخذ من كيسنجر الديبلوماسية المتدرّجة مراعياً موازين القوى، بما يمكن تسميته بـ "الليفياثان التوافقي"، أي دولة تسعى تدريجياً إلى توحيد القرار تحت مظلّة القانون، فهي لا تفرض الطاعة بالقوّة، بل تخلق دولة قوية توافقية عبر الثقة والوساطة والتوازن، وهي محاولة جديدة لخلق شرعية لبنانية خاصة غير مستوردة من أحد، بل متجذّرة في واقع بلد تعدديّ يعيش ما بين الفوضى والنظام.

فالرئيس عون لا يمكن أن يطبّق أي فكر سياسي كما هو، بل يُعيد تعديله وإنتاجه داخليا في نظام اجتماعي طائفي مذهبي معقّد. يبقى التحدي الأكبر هو قدرة نموذج الرئيس عون على النجاح والصمود أمام القوى الخارجية والداخلية والحزبية الطائفية. لذلك، إذا أردنا أن نحافظ على لبنان وطن الحرية والحياة، فإن كل طرف مدعو إلى الانطواء تحت مظلة الدولة والعمل بإرادتها والولاء لها، لا عن خوف بل عن إدراك، بأن بقاءه يعتمد على الدولة القوية القادرة على فرض سلطتها، ولأنّه من دون سلطة تحفظ الأمن وتُقاصص المعتدي وتحمي المواطن الصالح، لن يبقى وطن. 

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration