لم يكن لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء “الإسرائيلي « بنيامين نتنياهو في 29 كانون الأول الجاري، أي قبل يومين من نهاية العام الحالي، في مارالاغو (بالم بيتش) في فلوريدا، مجرد اجتماع بروتوكولي عابر، بل محطة سياسية أساسية أعادت تثبيت قواعد النفوذ والردع في الشرق الأوسط.
صحيح أنّ العنوان المعلن للقمة كان غزّة، والمرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار، إلّا أنّ التسريبات الصحافية كشفت أنّ النقاش امتدّ إلى ملفات أبعد بكثير: إيران أولاً، سوريا ثانياً، ولبنان ثالثاً بوصفه ساحة تماس حسّاسة لا يمكن فصلها عن معادلة الأمن “الإسرائيلية» من جهة، واستراتيجية الضغط على طهران من جهة أخرى.
وحمل اللقاء رسائل واضحة وصريحة، بصياغة تهديد أو تحذير، ما خلق الكثير من المخاوف والتحليلات حول مستقبل لبنان في العام الجديد 2026. فما هي انعكاسات هذا اللقاء على لبنان في العام الجديد بعد التحذيرات الصادرة عنه، وما هو المطلوب من لبنان في المرحلة المقبلة، وما الذي يقبله ويرفضه؟!
لا شكّ أنّ اللغة التي اعتمدها ترامب خلال لقاء مارالاغو كانت مباشرة وحادّة. وفي المؤتمر الصحافي بعد اللقاء، كرّر دعمه غير المحدود لإسرائيل، مؤكّداً «على استمرار التعاون لمواجهة ما وصفه بـ «التهديدات الإقليمية»، خصوصاً من إيران والحركات المسلحة ذات الصلة». كما حذّر من أن أي طرف لم يلتزم بتعهّداته (مثل نزع سلاح حماس) «سيدفع ثمناً باهظاً».
أوساط ديبلوماسية مطلعة على الموقف الأميركي اعتبرت أنّ هذا التحذير هو كغطاء سياسي لأي تحرك ردعي “إسرائيلي» محتمل، ضد شبكات النفوذ الإيراني في المنطقة، بما في ذلك لبنان، حتى لو لم تتورّط واشنطن مباشرة في أي عمل عسكري.
ولهذا، فإنّ الانعكاسات المباشرة المتوقّعة على لبنان خلال العام 2026 هي: تصعيد التوتّر على الحدود اللبنانية. فمذكرة ترامب ـ نتنياهو قد تُقرأ كتحضير لاحتمال تصعيد إسرائيلي مزدوج تجاه حزب الله وإيران، لا سيما إذا اعتُبرت الهدنة الإقليمية مهدّدة أو إذا فشل الوسيط اللبناني في إحراز تقدّم في «نزع السلاح».
ومع كلّ هذا الضغط الخارجي، يبدو أنّ المطالب الأميركية من لبنان ستكون مركزية في سياسات العام 2026، على ما تشير الأوساط، ويمكن تلخيصها في أربعة مسارات رئيسية هي: - أولاً: تعزيز سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، وهذا يعني أن يكثّف لبنان جهود سيادته على حدوده الجنوبية والموانىء.
- ثانياً: التعامل مع سلاح حزب الله ضمن الدولة، رغم أن هذا مطلب حسّاس داخليا، فإنّ واشنطن تضغط سياسياً واقتصادياً لربط أي تسهيلات دولية، بتقدّم لبنان في تقييد نشاط حزب الله أو دمجه ضمن الدولة، وهو ما قد يُشكّل خطّاً أحمر محلياً، لكنّه سيظهر كشرط أساسي من القوى الدولية للحصول على دعم مالي وسياسي.
- ثالثاً: الحفاظ على الاستقرار وعدم الانجرار إلى حرب موسّعة.
- رابعاً، التعاون مع المجتمع الدولي في مراقبة تسليح الجماعات المسلحة وتقليص النفوذ الإيراني تدريجياً، مع الحفاظ على التوازن الداخلي بين القوى السياسية.
ومن الناحية الواقعية، هذه المتطلّبات قد تواجه مقاومة داخلية. ومع ذلك، ترى الأوساط أن الاستجابة لهذه الضغوط قد تُتيح للبنان الحصول على ضمانات اقتصادية وسياسية مهمة، من بينها تسهيل التدفقات المالية الدولية واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة.
وديبلوماسياً، يطالب لبنان بالحفاظ على وقف إطلاق النار الحالي، وعدم الانجرار نحو أي صدام شامل مع "إسرائيل». ويُنظر إلى ذلك كمعيار أساسي للتعامل الدولي مع لبنان في العام 2026.
وفي ضوء تناقض المصالح والسياسات الإقليمية، ما هو مقبول من لبنان، وفق الأوساط الديبلوماسية، أمور عديدة أبرزها:
تعزيز مؤسسات الدولة بما فيها دور الجيش اللبناني، لتأمين الحدود الجنوبية والموانىء.
⁃ العمل الديبلوماسي القوي مع الأمم المتحدة ودول غربية، لحماية السيادة الوطنية.
⁃ الالتزام باتفاقيات وقف إطلاق النار من خلال تجنّب أي استفزاز، قد يُستخدم كذريعة لتصعيد عسكري. إلى جانب التعاون مع بعثة الأمم المتحدة في لبنان “اليونيفيل” ، وتطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصِلة.
⁃ الانفتاح على الدعم الدولي المشروط أي قبول المساعدات المالية، الهادفة إلى تعزيز الاقتصاد والمؤسسات الأمنية، بشرط الحماية والسيادة.
في حين أنّ ثمّة عناصر تُعدّ مرفوضة من قبل لبنان، لا سيما استمرار الأعمال العدائية من قبل “إسرائيل”، واستمرار احتلالها للأراضي اللبنانية، وعدم تسليم الأسرى اللبنانيين. فضلاً عن حصول أي عمل عسكري منفرد غير مُنسّق مع الدولة اللبنانية أو الأمم المتحدة إذ من شأن ذلك أن يُستخدم كذريعة تبرّر التدخل “الإسرائيلي” أو الأميركي. كما يرفض إعادة التسليح غير الرسمي، وأي تراجع عن سيادة الدولة اللبنانية.
وفي هذا السياق، يستمر «الجيش الإسرائيلي» في خرق اتفاق وقف النار في الجنوب اللبناني، رغم الجهود الديبلوماسية لمنع التصعيد، ما يزيد من حساسية الموقف اللبناني.
وتلفت الأوساط الديبلوماسية إلى أنّ واشنطن لم تعد مستعدة لتحمّل “ازدواجية القرار الأمني» في جنوب لبنان، الذي بات يُعتبر جزءاً من بنية الردع الإقليمي ضد إيران، وليس مجرد نزاع ثنائي مع “إسرائيل». وهي تراقب بدقّة أي محاولات لإعادة تسليح المجموعات المحلية، أو توسيع نفوذها على الحدود الجنوبية، في وقت يرى خبراء أوروبيون أنّ هذه السياسة قد تُحدث توتّراً متزايداً على الأرض بين الأطراف اللبنانية المختلفة.
ومع التغييرات السياسية الأخيرة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، تجد الأوساط الديبلوماسية أنّ لبنان فَقَد موقعه السابق كملف ثانوي في السياسة الغربية، وأصبح يُقاس دوره ضمن نطاق أوسع يشمل الإستقرار الإقليمي. وتشير تحليلات مركز دراسات الشرق الأوسط في لندن، إلى أنّ الدول الغربية تعتبر لبنان اليوم “ساحة إختبار» لتطبيق معادلة الردع الإقليمي، خصوصاً أنّ استقرار الدولة اللبنانية، يُعد شرطاً أساسياً لمنع أي تصعيد بين “إسرائيل» وحزب الله.
في هذا الإطار، تحوّل جنوب لبنان إلى نقطة ضغط استراتيجية. ولهذا تؤكّد الأوساط نفسها أنّ أي هجوم أو تصعيد من جانب حزب الله أو أي ميليشيا أخرى مرتبطة بإيران، لن يقتصر تأثيره على الأراضي اللبنانية، بل سيؤدي إلى ردود فعل “إسرائيلية» واسعة، مدعومة بغطاء سياسي أميركي، ضمن استراتيجية ردع إقليمية متعددة الطبقات. ويرى محلّلون أوروبيون أنّ على لبنان أن يوازن بين الحفاظ على دوره الإقليمي وبين الامتثال لمتطلبات الردع الدولي، وإلا فإنّ الضمانات الأمنية والسياسية التي كانت موجودة سابقاً قد تضيع تدريجياً، كذلك الدعم المالي والإقتصادي الموعود.
في الخلاصة، يبقى السؤال: هل يصمد لبنان أم يفقد الضمانات؟ تجيب الأوساط الديبلوماسية إنّ لقاء مارالاغو لم يكن مجرد حدث رمزي، بل لقاء خامساً بين ترامب ونتنياهو خلال عام واحد، أعاد صياغة قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، وجعل لبنان ساحة اختبار لمعادلة الردع الأميركية- «الإسرائيلية» ضد إيران.
وفي العام 2026، سيكون لبنان أمام خيارين: إما التكيّف مع متطلبات الردع الدولي والسيطرة الكاملة على السلاح، ما قد يوفّر له ضمانات اقتصادية وسياسية مهمة، أو الاستمرار في السياسات الموازية التي قد تؤدي إلى فقدان هذه الضمانات، ورفع احتمالات التصعيد على الحدود الجنوبية... المعادلة ليست سهلة، ولكن قراءة دقيقة لتسريبات اللقاء تشير إلى أنّ لبنان يجب أن يصمد أمام الضغوط ، ويعيد ترتيب أولوياته الوطنية، إذا أراد أن يحافظ على دوره الإقليمي دون الانزلاق إلى أزمة أمنية مفتوحة.
2 min read