قلة من الناس تعرف معنى القيادة والزعامة والصف الاول. وكثيراً ما نلاحظ ان مسؤولاً او رجلاً يعمل في الشأن العام، يبقى في الدرجة الثانية وهو ما يعرف بأل Second، مع العلم انه يكون ناجحاً ومجلياً في مركزه او منصبه، ويجمع حوله المئات لا بل الآلاف. إلا انه لا يرتقي الى درجة القائد من الفئة الاولى. ينجح نجاحاً منقطع النظير في مركزه في الدرجة الثانية، إلا انه لا يرتقي الى درجة القيادة، التي لها اربابها وعناصرها ومؤهلاتها.
يضاف الى ذلك، ان المسؤول الناجح هو الذي يجيد تأدية دور Chef d’Orchestre، كما يتبع اسلوب التفويض Délégation. فلا يستأثر بالصلاحيات بشكل اناني او ضيّق. فالمسؤول الجيد يحسّن اداءه، اما المسؤول الماهر فهو الذي يحسّن اداء الآخرين. اذ لا يكفي ان يكون المسؤول نشيطاً وشفافاً وذا خبرة عالية، ليعتقد بأنه يستطيع العمل بمفرده وينجزه شخصياً، بل يجب ان يختار فريق عمل متجانسا، ويفوضه القيام بالاعمال تحت اشرافه، ولا يحصر الصلاحيات بيده. واذا كانت قوته انه يعرف مكانه ومكانته، إلا ان مهارته تكمن في معرفة مكان ومكانة جميع من حوله، عندئذٍ ينجح.
وهذا الامر ينطبق مثلاً على الرياضة. فالفريق المتجانس الذي ينسق افراده فيما بينهم، ويتخلون عن انانيتهم، هو الذي يربح. وكم مرة شاهدنا على الارض او من خلال الافلام، كيف يحاول لاعب تحقيق الفوز بنفسه فيضيع الفرص على الفريق، فيضطر المدرب الى اعطاء الملاحظات بأن من يساعد الآخر على ادخال الطابة في المرمى، يكون له الفضل مثله مثل من سجل الهدف، واحياناً يكون هو البطل. وبالتالي، فإن اللاعب الماهر لديه وعي تكتيكي، يعرف مكان زملائه ومنافسيه، مما يساعده على اتخاذ قرارات صحيحة. فالوعي والذكاء والخبرة هي الاساس وليس فقط المهارة البدنية.
كنا ولا نزال نردد ان هناك فرقاً كبيراً بين المسؤول الذي يستطيع ان يعمل وينتج وينجح، وبين المسؤول الفاشل. فالفرق كبير بين العمل في الزواريب والعمل على الاوتوستراد. فنرى مسؤولاً يقوم بالواجبات، ويتابع الامور، ويتقرب من هذا وذاك، ويقيم الولائم، ويوظف المقربين منه. ولكن عندما يصل الى المنصب يفشل، اي عندما يخرج من الزواريب ويصبح على الاوتوستراد. هنا يجب ان يأخذ القرارات، وان ينتقل الى رسم الاستراتيجيات ولا يكتفي بالتكتيك.
فالإنسان العادي يتمنى، اما المسؤول فيقرر. من هنا، نرى اشخاصاً نجحوا في ادارة حملاتهم الانتخابية في اي مجال كان، في السياسة، في الادارة، في النقابات... إلا انهم ما ان يصلوا الى المركز او المنصب حتى يفشلوا. احياناً يتحكم بهم من حولهم، او يمررون الصفقات، لنصل الى ما قلناه اعلاه ان اللاعب الجيد يعرف مكانه، اما اللاعب الماهر والناجح فيعرف مكان جميع اللاعبين.
فالقيادة لها اربابها، وتحتاج الى الخبرة والحكمة واليقظة وبُعد النظر، وليس الى اهلاً اهلاً، وحبيب قلبي، والوعود والاجتماعيات، التي قد توصل صاحبها الى المركز فيفشل.
نقيب المحامين السابق في بيروت
2 min read