فقدت المحاماة في لبنان، فارسًا من فرسانها الاشداء، هو المحامي المرحوم ادولف تيان. محامٍ يتنفس هواء اسمه القانون. لم نكن نراه في اي مناسبة اجتماعية من اي نوع كانت. لا في اللقاءات السياسية والحزبية، ولا في اللقاءات النقابية، سواء داخل النقابة او خارجها، ولا في المناسبات الاجتماعية العادية في المطاعم والمنازل. مكان واحد كنا نلتقيه فيه: قصور العدل.
نعم. كان المحامي ادولف تيان يعشق مهنة المحاماة، ويعتبر ان قصور العدل هي قصوره وملعب خيله. يحضر الجلسات، يجري المراجعات، يلاحق المعاملات والملفات بنشاط وخبرة ودقة. يكتب اللوائح ويدعمها باجتهادات المحاكم في لبنان وفرنسا، ويستشهد بآراء الفقهاء. كيف لا وهو المثقف المتمرس في القانون. فكانت لوائحه تأتي مشغولة ومرافعاته مدروسة ومقنعة.
إلا ان علمه القانوني وعمق معرفته بالقانون وبالاجتهادات والفقه، لم يكن يمنعه من المطالعة بقوة لدرجة اننا كنا نقول دائماً: لا احد يضاهي النقيب المرحوم عصام كرم بالمعرفة والثقافة إلا المحامي ادولف تيان. فإذا التقيته، وطبعاً فقط في قصر العدل، كان يستوقفك ليخبرك عن القاضي الفلاني والمحامي الفلاني وتاريخ كل منهم بأدق التفاصيل. كما يستشهد بمواقف هذا وذاك في لبنان وفي فرنسا ويتعمق في آخر احكام وقرارات صادرة عن المحاكم. ولا يمكنك ان تغادر الجلسة، ولو امام باب قوس المحكمة إلا بعد عدة ساعات ليترك لديك انطباعًا حول مدى ثقافته التي بتنا نفتقدها هذه الايام بعد اتكال الكثيرين على كبسة الزر لإخراج المعلومة، وللاسف لكتابة مقالات مأخوذة عن مواقع معينة، او لاستخراج مشروع عقد او لائحة او مذكرة في ملف يتبين لاحقاً انها غلط بغلط.
المحامي المرحوم ادولف تيان لم يكن يجيد المسايرة. كان قاسيا في مواقفه وفي لوائحه. لا يقبل الشواذ او الظلم. وبقي وفيًا للعلامة الدكتور المرحوم حسن عواضه الذي تعاون وإياه سنوات طويلة حيث تشبع من علمه وخبرته وحكمته وصبره، وكان فخورا بابنته الزميلة هلا التي تكمل مسيرته في المحاماة الى جانب عمها الزميل روجيه تيان.
حزننا كبير عليه. ألم يقل بابلو نيرودا: «الكلمة مثل الوردة ترتدي احياناً ثوب الحداد». في القلب، وفي البال زميلًا عزيزًا، وصديقا محترما. ألا فاعبر بسلام فإنك الان حيث يليق بالاخيار الانقياء الاصفياء.
* نقيب المحامين السابق في بيروت
2 min read