المنتخبات الوطنية اللبنانية بلا برنامج طويل الأمد.. إدارة آنية أم غياب رؤية؟

كانون الثاني 2026 الساعة 00:00
المنتخبات الوطنية اللبنانية بلا برنامج طويل الأمد.. إدارة آنية أم غياب رؤية؟

A- A+

مع كل استحقاق خارجي، تُستدعى المنتخبات الوطنية في لبنان إلى الواجهة على عجل، وكأنها واجب موسمي لا مشروع دائم.. مدرّب يُعيَّن في اللحظة الأخيرة، معسكر قصير بلا هوية، مباريات ودّية تقليدية بلا هدف واضح، ثم مشاركة تنتهي بخيبة معتادة وتبرير محفوظ: ضيق الوقت وقلة الإمكانات.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بوضوح هو: هل تُدار المنتخبات بعقلية موسمية، أم أن المشكلة أعمق وتتعلق بغياب رؤية؟

وكأن المنتخب يتحرّك بالرزنامة لا بالخطة وما يحدث ليس إعدادًا، بل استجابة متأخرة للرزنامة. يبدأ العمل عند اقتراب البطولة، ويتوقف فور انتهائها. لا برنامج فني يمتد لسنوات، ولا تسلسل منطقي من الفئات العمرية إلى المنتخب الأول. المنتخب في هذه الحالة لا يُبنى، بل يُستدعى، وكأنه فريق طوارئ لا مشروع دولة رياضية.

وفي غياب الخطة، تصبح الاستمرارية أول ضحايا الإدارة فالمدرّب لا يُمنح الوقت الكافي، واللاعب لا يعرف موقعه في مشروع طويل الأمد، والهوية الفنية تتبدّل مع كل مشاركة. النتيجة واضحة: منتخب بلا أسلوب لعب ثابت ومواهب شابة تُهمل أو تُحرق مبكرًا ونتائج متقلبة لا تعبّر عن تطور حقيقي.

ومتابعة لهذا الملف كان للديار حوار مع بعض المدراء الفنيين الذين سبق لهم العمل ضمن الأجهزة الوطنية للمنتخبات اللبنانية.

بداية يقول سمير سعد مدرب المنتخبين الأولمبي والشباب السابق لـ"الديار»: «ان نتائج المنتخب الأولمبي الأخيرة في كأس اسيا المقامة حاليا في السعودية فاجئت كل عشاق كرة القدم، خصوصا على صعيد تسجيل الاهداف في مرمى خصوم مثل اوزباكستان وكوريا وايران وهذا مؤشر على تطور لم نعهده من قبل ولولا الاستهتار بامكانيات الأولمبي لكان هناك حديث اخر فالتحضير لم يكن بالمستوى المطلوب لأن الجميع كان مقتنع بأن المجموعة صعبة جدا ولا حاجة لأي مصروف زيادة على المنتخب، بشكل عام منتخبات الفئات العمرية بدأت تتطور لكن شرط التطور يلزمه وضع خطة او برنامج عمل للتطوير وهذا لم يحصل اطلاقا الا اذا كان لدى الكابتن اميل رستم رئيس لجنة المنتخبات خطة جدية واعتقد بأنه يملك الجدية والخطة الصحيحة إذا اطلقت يداه للعمل».

يتابع: «اما على صعيد المنتخب الاول فلا تقدم اطلاقا بل تراجع الى المستويات الدنيا لأن المنتخب الحالي فاجأ الجميع بخروجه من تصفيات كأس العرب وهذا يعود الى الاستهتار بالمنتخب السوداني والكرة الافريقية، وكان على المنتخب أن يلعب مباراة تجريبية مع اي فريق افريقي ولو خسر امامه ولكنهم يخافون من الخسارة.. علما أن الخسارة تؤدي أحيانا إلى كشف الثغرات وتطور إلى الأمام».

يختم سعد: «ان كرة القدم في لبنان لن تتطور طالما هناك عقلية لا تنوي التخطيط ووضع برامج للمنتخب والتطوير يأتي ايضا من الاندية واذا عجزت الاندية على الاتحاد ان يعمل على تطوير المنتخبات ويقوم بواجبه، خلاصة القول نحن اصبحنا بعيدين عن مستوى اسيا وافريقيا لأن المشكلة في العقلية حتى تتغير وعليه سنظل نعاني طويلا».

من جانبه يقول المدير الفني السوداني أسامة فرج الله الصقر الذي سبق له تدريب منتخب الشباب والمنتخب الوطني الأول بالتعاون مع الألماني ثيو بوكير لـ"الديار»: «هناك غياب رؤية دائمة في لبنان فعادة يتم وضع خطة طويلة الامد تمتد الى 10 سنوات، وعلى المنتخبات كافة من ناشئين وشباب واولمبي وأول ان تكون على اهبة الاستعداد طوال السنة وكذلك الاجهزة الفنية تبقى متابعة لعملها كخلية نحل حتى في فترات التوقف، ان المنتخب الاولمبي هم مهم جدا وهو حلقة الوصل بين المنتخبات وفي لبنان هناك مدربين أكفاء مع فرقهم في الدوري ولكن من الضروري وجود مدرب عالمي له بصمته وتاريخه يقوم بالاشراف على كافة المنتخبات ويضع استراتيجية عمل واضحة».

يتابع الصقر: «اذا ما تم هذا الامر وخصوصا في منتخبات الناشئين والشباب لا بد أن تلقى نتائج فنية مميزة مع مرور الوقت على غرار ما يحصل في اوروبا وحاليا في افريقيا مع تمنياتي بالتوفيق للمنتخبات اللبنانية وللعاملين في الاتحاد والمشرفين على اللعبة بشكل عام».

المال ليس العذر الكامل

لا يمكن إنكار تأثير الأزمة المالية، لكن اختزال المشكلة بالمال هو هروب من المسؤولية. دول كثيرة بموارد أقل حققت قفزات نوعية لأنها امتلكت رؤية واضحة: برامج إعداد تمتد بين 4 و8 سنوات وربط المنتخبات بالمدارس والأكاديميات وتقييم دوري للأداء بدل ردود الفعل الانفعالية، في لبنان، حتى القليل المتاح يُهدر، لأن القرار نفسه موسمي، محكوم بالنتيجة السريعة لا بالبناء التدريجي.

اتحاد بلا رؤية… منتخب بلا مستقبل

أي اتحاد لا يملك إجابة واضحة عن أسئلة أساسية مثل: ماذا نريد بعد خمس سنوات وأي مدرب نحتاج ولماذا وأي لاعب نُحضّر وأي جيل نراهن عليه؟ هو اتحاد يُدير أزمة لا مشروعًا. والمنتخب في هذه الحالة يتحول إلى واجهة إعلامية، لا ثمرة عمل مؤسساتي.

والخلاصة ان أزمة المنتخبات الوطنية ليست أزمة جيل ولا سوء حظ، بل أزمة إدارة ورؤية والإدارة الموسمية قد تؤمّن مشاركة، لكنها لا تصنع منتخبًا. ومن دون خطة طويلة الأمد، سيبقى السؤال نفسه يتكرر، وستبقى النتائج تراوح مكانها والمنتخب لا يُحضَّر قبل البطولة بشهر… بل قبلها بسنوات.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration