أهل الجنوب وأجمل حكايات الصمود والبقاء...

كانون الثاني 2026 الساعة 00:00
أهل الجنوب وأجمل حكايات الصمود والبقاء...

A- A+

الجنوب قصة لا تنتهي تَجدها في التاريخ والحاضر، وأيضاً في المستقبل. قصة كُتبت بدماء الشهداء ودموع الآباء والأمهات ويُتم الأبناء وأحجار البيوت المدمَّرة وشموخ الأهالي، قصة شعب لا يَهنأ مُحتل على أرضه، فمِن عِشْقِه لترابه رواه ومزجه بدمه حد الإلتحام، ليورث هذه الروح للأجيال المتعاقبة، فهذا الشعب لا يعرف فرقة ولا وداع، فهو لم تفارق روحه أرضه في يوم من الأيام رغم كثرة فراق الأحبة، إلا أن هذا الفراق الذي يرسّخه بأرضه أكثر، لذلك لا يتركها إلا ليعود إليها.

فكل مَن يعرف أهل الجنوب وقرى الحافة الأمامية تحديداً يَسرد هذه الرواية، ومَن يَجول في تلك القرى، يرى وسط الدمار مشاهد الصمود كثيرة وحكايات لا تنتهي.

ففي بلدة الضهيْرة التي دمّرت "إسرائيل" فيها 600 وحدة سكنية، وأحرقت 1000 دونم زيتون، يقول خلدون فنش وهو من أهل هذه القرية، أن من بينهم 30 دونم له "كلو راح"، فهذه الأرض كان قد زرعها بالزيتون والحمضيات والقشطة والخروب، ومختلف أنواع المزروعات. وكذلك كان يربي النحل (حوالي 80 قفير)، ولديه مزرعة دواجن (حوالي 1000 راس)، فهذه لم تكن مهنة فقط وإنما هوايته، باعتبار أنه كان يعمل كشرطي بلدية، قبل أن يُصبح اليوم موظفاً في اتحاد بلديات صور، بعد أن نزح من قريته منذ حوالي السنتين، بسبب قصف العدو لبلدة الضهيْرة بقذائف الفوسفور، ويَستلم ملف نزوح أهلها الذين بلغ عددهم 250 عائلة ضمن وحدة إدارة الكوارث، ليكون بجانبهم ويساعدهم على تحمّل واقع النزوح.

بقيَ فنش في هذا الملف الى حين الإنتخابات البلدية، وفي نفس الوقت الذي كان يتابع فيه شؤون الناس، لم يقف مُتفرجاً على رزقه الذي أحرقته الصواريخ الإسرائيلية. فرغم الواقع الحالي في القرى الحدودية، خاصة بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار، وعدم عودة الأهالي الى قُراهم، بقيَ متفائلاً بالعودة الى أرضه، فالإحتلال مهما طال لن يدوم. ومِن هذا المنطلق قرر أن لا يبقى متفرجاً، وأن يستعيد قواه من جديد ، ويُهيّىء نفسه للرجوع ، فقام بشراء 1000 شتلة من الزيتون والحمضيات والأفوكا ومزروعات مختلفة ووضعها في المشتل، حيث اشتراها ليُحضِّرها للزراعة في أرضه، وأيضاً قام بشراء دواجن (حوالي 80 راس)، ويقوم بالإهتمام بهم في المنطقة التي نزح إليها ريثما يعود الى الضهيْرة، كما قام بمشروع نحل جديد بحيث زاد عددها من 15 الى 30.

يقول خلدون إنه سيَبقى بهذا الإصرار وبهذه القوة الى حين العودة الى قريته مهما طال الإنتظار، فالحنين الى الأرض التي عاش وتربّى فيها يرافقه ويسكنه وهو يردد عبارة: مهما فعلت "إسرائيل"، سنبقى متمسّكين بأرضنا وسنعود إليها، فنحن أصحاب حق.

أما حسين صالح ابن بلدة راميا الحدودية، الذي أقفل حسابهwhish money مع حسابات كثيرة يتم تحويل أموال من خلالها ، بهدف مساعدة الناس على البقاء والصمود في قراهم الحدودية، أو مساعدتهم على تحمّل واقع النزوح.

يقول حسين إن هذه الحملة الإنسانية بامتياز بدأ بها مع مجموعة من رفاقه في البلدة، مع بداية الأزمة الإقتصادية وكورونا، وصولاً الى الحرب والنزوح، واستمر بعدها خاصة في القرى الحدودية. الحملة بدأت من القرية وتوسعت الى كل لبنان، لكن اليوم بطبيعة الحال التركيز على أهل قرى الحافة الأمامية، ومنهم أهل بلدته راميا فهُم أولوية الآن، نظراً لواقعهم الحالي، مع الإستمرار بتقديم المساعدة على قدر المستطاع في مختلف المناطق اللبنانية.

إقفال الحساب من قِبلwhish money لن يوقف هذه المبادرة الفردية الشبابية يقول حسين، خاصة وأنها مِن الناس الى الناس، فالأساليب كثيرة ومتعددة للإستمرار في حملة يُساهم فيها أناس من مختلف المناطق اللبنانية، حتى باتت حملة وطنية بامتياز. عنوان هذه الحملة "$1"، بحيث تفتح المجال لكثيرين بالمساهمة.

ويَذكر حسين أنه خلال عدوان الـ 66 يوماً ، تمكنت الحملة من مساعدة 4000 شخص بمختلف المناطق التي تم النزوح إليها، وبعد إعلان وقف إطلاق النار، كتب حسين على صفحته على مواقع التواصل الإحتماعي أن الحملة مستمرة. وعندما سُئِل عن معنويات مَن عاد الى قريته الحدودية في ظل الوضع الراهن، وما الذي لاحظه من خلال جولاته وتواصله معهم، وصفهم بالجبال، فهؤلاء أولوية الآن بدعم وجودهم في بلداتهم، وبدعم كل مَن فتح مصلحة في قرية حدودية.

يركّز حسين على أهالي قريته راميا الذين يعمل معظمهم بالزراعة، وفجأة وجدوا أنفسهم خارجها بمناطق نزوح دون عمل، فكان لا بدّ من الوقوف الى جانبهم، لإسنادهم على تحمّل عبء النزوح. فبالإضافة للدور الذي لعبه من منطلق إنساني بالوقوف الى جانبهم، بات اليوم عضو مجلس بلدي، فتحوّل هذا الدور الى مسؤولية تقع على عاتقه، خاصة وأنه تم تسليمه ملف الخدمات والصحة والتربية في البلدية.

مَن يرى هذه النماذج الجنوبية، يتأكد أن أهل الجنوب هُم السلاح الأقوى للمقاومة بروحهم وإنسانيتهم، وصمودهم وثباتهم وعزيمتهم، وإصرارهم على التمسّك بجنوبهم.. فهذا الجنوب لم يكن يوماً قطعة من الأرض، وإنما قطعة من السماء وكل الروح وكل القلب..

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration