الغاز في شرق المتوسط.. المتغير اللبناني وعقيدة واشنطن الجديدة للطاقة

كانون الثاني 2026 الساعة 23:54
الغاز في شرق المتوسط.. المتغير اللبناني وعقيدة واشنطن الجديدة للطاقة

A- A+

تحول جيوسياسي واقتصادي محموم تشهده مياه الشرق الأوسط الهادئة مع بدء تنفيذ الرؤية الأميركية الجديدة للغاز في الشرق الأوسط. هذه الرؤية تجمع بين مفهوم الهيمنة الطاقية والديبلوماسية البراغماتية القائمة على إبرام الصفقات، ويتركّز جوهرها على معضلة معقدة حيث يتحول لبنان الذي طالما عُومل كفاعل هامشي إلى عنصر هام، وإن كان محفوفًا بالمخاطر، في معضلة الطاقة الإقليمية.


رؤية واشنطن: الطاقة أداة ديبلوماسية

تستند السياسة العامة لإدارة ترامب بشأن الغاز في الشرق الأوسط إلى مفهوم الهيمنة الطاقية. ومن المرجح أن تعتبر الإدارة الأميركية الحالية مصادر الطاقة العملة الأولى للاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط على عكس العقيدة السابقة التي كانت تنظر إلى المنطقة من منظور الأمن ومكافحة الإرهاب. وتتلخص رؤية واشنطن في ثلاثة محاور:

أولًا – التكامل السوقي: يشمل هذا المحور تطوير جسر طاقة «سلس» يربط الخليج العربي وبلاد الشام بالقارة العجوز، ويهدف إلى توفير بديل للنفوذ الروسي والإيراني والحفاظ على استقرار الأسعار عالميًا.

ثانيًا – شبكة الطاقة الإبراهيمية: في هذا المحور، تهدف الإدارة الأميركية إلى تطبيق اتفاقيات أبراهام على قطاع الطاقة. وتأمل الولايات المتحدة، من خلال تشجيع المشاريع المشتركة بين إسرائيل وجيرانها في العالم العربي، أن يصبح التعاون الاقتصادي مربحًا لدرجة تجعل تكلفة الحرب باهظة جدا على كل الأطراف.

ثالثًا – الريادة الاستثمارية: من خلال هذه الرؤية، تضمن الإدارة الأميركية أن تكون التكنولوجيا ورأس المال الأميركيان هما الأكثر طلبًا للاستثمار في مشاريع البنية التحتية الضخمة المتوقّعة، بما في ذلك محطات الغاز الطبيعي المسال وخطوط أنابيب المياه العميقة.


إدارة ترامب: الصفقات على حساب المبادئ

لم تعد خطة السلام الطاقي في الشرق الأوسط التي وضعتها الإدارة الأميركية الحالية مجرد كلام، بل أصبحت واقعًا ملموسًا مع أوائل هذا العام. ويكمن جوهر هذه الخطة في الدفع العلني نحو منتدى غاز شرق المتوسط ​(EMGF) ليصبح قوة إقليمية عظمى. وتتمثل العناصر الرئيسية للإستراتيجية الأميركية الحالية في ما يأتي:

أولًا – مبادرة ترامب للمناطق الإقتصادية: تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة تروج، بحلول نهاية عام 2025، لفكرة إنشاء مناطق إقتصادية متخصصة في جنوب لبنان وشمال إسرائيل. تهدف هذه المبادرة إلى خلق منطقة عازلة للازدهار من خلال إنشاء مركز استثماري محايد، حيث يمكن للتحالفات الدولية العمل بضمانات مدعومة من الولايات المتحدة.

ثانيًا – العقوبات الثانوية والوصول إلى الأسواق: فرضت واشنطن تعريفات جمركية ثانوية على الجهات التي تقوم بالتجارة مع إيران، وفي الوقت نفسه منحت الشركاء الملتزمين بمنتدى غاز شرق المتوسط ​​مسارًا سريعًا للوصول إلى تكنولوجيا الطاقة الأميركية.

ثالثًا – ديبلوماسية البنية التحتية: حوّلت الإدارة تركيزها من التنمية العامة إلى مشاريع البنية التحتية عالية العائد. وهذا يشمل إعادة بناء خط أنابيب الغاز العربي، ويهدف إلى نقل الغاز المصري وربما الإسرائيلي عبر الأردن وسوريا إلى لبنان وما وراءه.


لبنان: التحول غير المرغوب فيه

في حالة لبنان، لا يقتصر الأمر على كونه عملية إنقاذ فحسب، بل هو أيضا توازن جيوسياسي دقيق. فلبنان يُعاني من أزمة إقتصادية مستمرة منذ بدء الحرب السورية في العام 2011 وتضاعفت بشكل عنيف في أواخر العام 2019، وبالتالي فإن موارد الغاز البحري المُقدّرة بتريليونات الأقدام المكعبة، هي المخرج الوحيد المتاح للبنان:

- المعلم البحري: في 9 كانون الثاني 2026، وقّع لبنان إتفاقية إستكشاف للرقعة رقم 8 مع تحالف يضم شركات توتال إنيرجيز، وإيني، وقطر إنرجي. وهذه الرقعة بالغة حساسية لقربها من الحدود البحرية مع إسرائيل والتي تم ترسيمها عام 2022 بوساطة أميركية.

- الموقع الاستراتيجي للبنان: تتطلب رؤية الولايات المتحدة لشبكة موحدة في بلاد الشام وجود نقطة عبور رئيسية وهذه النقطة هي لبنان. وتُهدد الإدارة الأمريكية الآن بالضغط على الطبقة السياسية اللبنانية لإصلاح الجزء التابع لها من خط الأنابيب المخصص لاستقبال الغاز المصري، وهي خطوة من شأنها إنهاء انقطاع التيار الكهربائي المزمن في لبنان وفي الوقت نفسه ربط الشبكة بجيرانه الموالين للغرب في المنطقة ومن بينها إسرائيل.

- آلية خفض التصعيد: ترى واشنطن في التنقيب عن الغاز في المناطق الساحلية اللبنانية (الرقع 8 و9 و10) وسيلةً للحد من تأثير «الجماعات المسلحة» بحسب تعبيرها. والمنطق واضح، ففي حال امتلاك الدولة اللبنانية والمستثمرين الدوليين مليارات الدولارات من البنية التحتية البحرية، هناك مصلحة مشتركة كبيرة لتجنب التصعيد عبر الحدود.


التوقعات الاقتصادية

من وجهة نظر المختصين، تُعدّ «معضلة الغاز» قضية حوكمة لبنانية داخلية بقدر ما هي قضية ديبلوماسية دولية. ولكي يستفيد لبنان من رؤية الولايات المتحدة، يتعين عليه مواجهة والتغلّب على تحديين هامين:

أولًا –الإصلاح المؤسسي: في غياب صندوق ثروة سيادي واضح، ستُستخدم رسوم الغاز لتغذية الفساد الذي ساهم في الانهيار المالي عام 2019.

ثانيًا – الحياد الجيوسياسي: يتعين على لبنان أن يسير على حافة الهاوية بين مشاركته في مشاريع الطاقة للولايات المتحدة الأميركية وسياسته الداخلية، لا سيما دور المحاور الإقليمية.

ويلاحَظ من تصريحات المسؤولين في الإدارة الأميركية الحالية أن عهد الشيكات المفتوحة قد ولّى حيث يحدَّد مصير قطاع الغاز في لبنان حاليًا بالديبلوماسية القائمة على الأداء. فواشنطن مستعدة لدعم بيروت إذا نجح لبنان في ضمان استقرار المسوحات الزلزالية ثلاثية الأبعاد وعمليات التنقيب الاستكشافية. وإلا، فسيتم سدّ النقص دون أن يكون هناك دور للبنان، في ظل استمرار قبرص وإسرائيل ومصر في دمج شبكاتها البحرية. رؤية الولايات المتحدة لعام 2026 واضحة تمامًا: لم يعد الشرق الأوسط منطقة نفطية، بل مختبرًا للسلام قائمًا على الطاقة، ولبنان في قلب هذه التجربة.

في المحصلة، أصبح موقع لبنان الجغرافي، ولأول مرة منذ عقود، أقوى أصوله بدلا من أن يكون نقمة عليه، ما دام يستطيع أن يتناسب مع النموذج الجامد القائم على الصفقات للإدارة الأميركية الحالية.


Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration