كثيراً ما يخلط بعض رجال القانون بين مفهوم الفعل الناشئ عن ممارسة مهنة المحاماة وبين مفهوم الفعل الناشئ بمعرض ممارسة المهنة. اذا ان لكل منهما تعريفه ومفهومه وشروطه واسبابه ونتائجه. من هنا بحثت محكمة الاستنئاف المدنية في بيروت – الغرفة الحادية عشرة الناظرة في الدعاوى النقابية والمؤلفة من القضاة الرئيس ايمن عويدات (رئيس هيئة التفتيش القضائي حالياً) والمستشارين حسام عطالله وكارلا معماري وممثلي مجلس نقابة المحامين الاستاذين بيار حنا وندى تلحوق، مسألة مهمة حيث عرفت مفهوم الفعل الناشئ بمعرض ممارسة المهنة، فاعتبرت انه الفعل المرتكب من قبل المحامي والمعاقب عليه له علاقة بما يقوم به من اعمال لدى تأديته مهنته، اي عملاً لا علاقة له وطيدة بممارسة هذه الاخيرة، انما حصل بموجبها وبسياقها وبسببها.
كما اعتبرت المحكمة ان لا مبرر لملاحقة المحامي لعدم توافر معطيات في الملف تدل على نية جرمية لديه او ارادة افتعال حادث تصارب.
وقضت برد الاستئناف وتصديق قرار مجلس النقابة.
ومما جاء في القرار الصادر بتاريخ 17/12/2020.
بناء عليه،
ثانياً: في الاساس
حيث ان المستأنفة تطالب لهذه الناحية قبول استئنافها وفسخ القرار المستأنف في بنده الثاني ورؤية النزاع انتقالاً واتخاذ القرار باعطاء الاذن بملاحقة المستأنف عليه انطلاقاً مما توفر في الملف من معطيات.
وحيث ان المستأنف عليه يطلب لهذه الناحية رد الاستئناف وتصديق القرار المستأنف لعدم صحة اقوال المدعي وزيفها مستنداً في ذلك الى نص المادة /79/ محاماة التي وضعت لحماية المحامي لدى ممارسته المهنة والى ما عرضه وادلى به والمذكور اعلاه وما قدمه من مستندات وتلك الواردة مع الاستحضار الاستئنافي.
وحيث انه من التدقيق باوراق الملف كافة.
يتبين:
ان المستأنف عليه رئيس جمعية مالكي البناء القائم على العقار رقم 215/شملان وقد اوكل من قبل المالكين مهام المرافعة والمدافعة عن الجمعية وباسمها امام جميع المحاكم في موضوع ازالة التعديات والمخالفات، وذلك على اثر قيام المدعي باشاد ثكنة قرميد بارتفاع سبعة امتار، وذلك سنداً لاحكام البند التاسع من نظام ادارة البناء والمادة /23/من قانون تنظيم الملكية المشتركة في العقارات المبنية رقم /88/ تاريخ 16/9/1983، وقد تقدم فعلاً المستأنف عليه بالادعاء على المدعي امام قاضي الامور المستعجلة في عاليه شخصياً وبصفته المذكورة اعلاه، كما قام بتوجيه كتاب الى بلدية شملان لوضع اشارة المخالفة على عقار المدعي، حيث قرر التنظيم المدني بعد الكشف الميداني وضع اشارة بناء مخالف واوعز للقائمقام في عاليه بازالة المخالفة، كما كان قد رمى من دعواه المذكورة اعلاه وقف الاعمال والتي تقدم بها شخصياً بتاريخ 2/5/2018 وطلب تدخل الجمعية في الدعوى بتاريخ 9/10/2019
انه بتاريخ 26/5/2019، اقدم المدعي مع شقيقه وشخص ثالث على التعرض للمستأنف عليه بالالفاظ النابية ومن ثم بضربه حتى فقد الوعي، حيث نقل على اثرها الى مستشفى بشامون التخصصي وحيث اشار الطبيب المناوب بضرورة وجوب نقله الى مستشفى الجامعة الاميركية لوجود انتفاخ في الجهة الخلفية من الرأس واستفراغ متكرر، حيث نقل على اثرها الى مستشفى كليمنصو وقد اجريت له الفحوصات اللازمة واخضع للمراقبة المركز لخطورة وضعه الصحي لمدة 41/ساعة.
بأن المدعي "ب.ط." توجه الى مخفر سوف الغربي بتاريخ 26/5/2019 وعرض لدى الضابطة العدلية ان المستأنف عليه تعرض له بالشتائم وقد احضر شخصين معه وقام بضربه على رأسه واوقعه ارضاً ما تسبب بجروح في يده وجبينه، وان الشخصين المذكورين حاولا ابعاده عنه، وطلب انزال العقاب به، ثم عاد المدعي وبمذكرة قدمها الى النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان ذكر فيها ان المستأنف عليه ومن يرافقه اقدموا على ضربه جميعاً وتعاونوا على ذلك وان ذلك تسبب له بالاضرار المذكورة اعلاه، وقد وثق اضراره بتقرير طبي وكذلك فعل المستأنف عليه.
ان التعرض للمستأنف عليه وفق ما عرضه حصل بينما كان يخرج من مدخل بنائه مع اولاده، فأقدم المذكورون على شتمه والتعرض له ولاطفاله بكيل من الالفاظ النابية، وعندما حاول الانسحاب، قاموا باقتحام السياج الفاصل بين العقارين وبدأوا بضربه حتى حصل ما ذكر اعلاه، وقد بقي لمدة /48/ ساعة تحت المراقبة في المستشفى.
ان المدعي يذكر في مذكرته المذكورة، اعلاه المقدمة للمستأنفة ان المستأنف عليه خلال الحادثة كان معه اشخاص عاونوه وهم ظاهرون في الصور المرفقة، الامر غير الثابت في اوراق الملف كافة ما يثير الشك في صحة اقواله لهذه الناحية.
ان شقيق المدعي الذي كان برفقته التقط صوراً للحادثة بواسطة هاتفه وتسجيل فيديو، الا انه لم يبرز اي قرص مدمج بها في الملف لتأكيد اداعاءات المدعي.
انه من غير الثابت ان المستأنف عليه قطع السياج الفاصل بين بنائه وعقار المدعي حيث حصل الاشكال بل الثابت العكس ان المدعي هو من تجاوز هذا السياج باتجاه بناء المستأنف عليه ولم ينكر ذلك في التحقيقات الاولية، مع مرافقيه.
وحيث انه، وفي اطار ما تقدم، فأنه وسنداً لاحكام المادة /79/محاماة، فقد امن المشترع للمحامي ضمانة وحماية جسدها بعدم جواز ملاحقته جزائياً لفعل نشأ عن ممارسة المهنة او بمعرضها الا بقرار من مجلس النقابة يأذن بالملاحقة. وان قرار هذا الاخير يقبل الطعن امام محكمة الاستئناف.
وحيث انه ثابت ان نص المادة /79/ المذكورة ميز بين الفعل الناشئ عن ممارسة المهنة والفعل الناشئ بمعرضها، اي انه في هذه الحالة الاخيرة ان يكون الفعل المرتكب من قبل المحامي والمعاقب عليه له علاقة بما يقوم به من اعمال لدى تأديته مهنته اي عملاً لا علاقة له وطيدة بممارسة هذه الاخيرة، انما حصل بمعرضها وبسياقها وبسببها.
وحيث انه بالعودة الى وقائع النزاع الراهن يتبين انه بسبب قيام المستأنف عليه كمحام وبصفته الشخصية وكوكيل عن جمعية مالكي العقار رقم 215/شملان بالاقدام على الادعاء على المدعي لدى قاضي الامور المستعجلة ولدى البلدية بسبب قيام هذا الاخير باشادة ثكنة قرميد مخالفة للقانون وقد نتج عن ذلك وضع اشارة دعوى على عقار المدعي رقم 217/شملان والى قرار من التنظيم المدني، بعد الكشف الميداني، يوعز الى القائمقام في عاليه بازلة تلك المخالفة، فإن ما تقدم ادى الى خلق جو متوتر بين المدعي والمستأنف عليه، اسفر عنه بتاريخ 26/5/2019 ان اقدم المدعي برفقة شقيقه وشخص آخر (الامر الذي لم ينفه) على تجاوز التصوينة بين عقاره وبناء المستأنف والتعرض لهذا الاخير بالضرب ما تسبب باغمائه ونقله الى المستشفى ومن ثم الى مستشفى آخر كما هو مبين اعلاه، حيث خضع لفحوصات وللمراقبة لمدة /48/ ساعة، وهي امور لم ينفها المدعي ولم تدحضها المستأنفة في حين ان المدعي لم يثبت اقواله لناحية اقدام المدعي مع آخرين الى التعرض له اذ اشار بوجود صور لهم مرفقة مع اوراق الملف، الا ان الامر بقي ادعاء دون اثبات كما ان اقواله تضاربت حول دود مرافقي المستأنف عليه، فضلاً عن عدم ثبوت وجودها.
وحيث بالتالي يكون النزاع موضوع الاذن الحاضر يدخل ضمن مفهوم وقوعه بمعرض ممارسة مهنة المحاماة ويقتضي تصديق قرار مجلس النقابة لهذه الناحية.
وحيث انه، بالنسبة لطلب المستأنفة الرامي الى فسخ قرار مجلس النقابة واعطاء الاذن بملاحقة المستأنف عليه، فان المحكمة لا تجد مبرراً لذلك لعدم توافر معطيات في الملف تدل على نية جرمية لدى المستأنف عليه او ارادة بأفتعال حادث تضارب مع المدعي عليه، بل ان ما في الامر انه كان بوضع درء التعرض الجسدي المقصود الذي تعرض له، بعد ان دخل عليه المدعي ومن يرافقه من اشخاص الى عقاره وتعرضوا له بالضرب، بل ان كل ما فعله المستأنف عليه هو توسل الاجراءات القانونية.
وحيث بالتالي يقتضي رد الاستئناف في الاساس وتصديق القرار المستأنف لعلة الدفاع عن النفس حسب ظاهر الاوراق ولعدم ثبوت تعرض المستأنف عليه شخصياً للمدعي بوجود آخرين وفق اقوال الاخير.
وحيث انه وفي ضوء النتيجة التي توصلت اليها المحكمة يقتضي رد كل ما زاد او خالف اما لانه لقي رداً ضميناً واما لعدم الجدوى.
لذلك، تقرر بالاتفاق:
1- قبول الاستئناف في الشكل
2- رده في الاساس وتصديق القرار المطعون بالحكم الصادر عن مجلس نقابة المحامين في بيروت.
3- رد كل ما زاد او خالف.
4- حفظ الرسوم والنفقات.
قراراً صدر وافهم علناً في بيروت بتاريخ 17/12/2020.
نقيب المحامين السابق في بيروت
2 min read