لماذا تنقل واشنطن معتقلي “داعش” من سوريا إلى العراق رغم دعمها لدمشق؟

لماذا تنقل واشنطن معتقلي “داعش” من سوريا إلى العراق رغم دعمها لدمشق؟

A- A+

في خطوة لافتة، باشرت القوات الأميركية نقل نحو سبعة آلاف معتقل من عناصر تنظيم “داعش” من سجون شمال شرقي سوريا، الخاضعة لسيطرة “قسد”، إلى مرافق احتجاز محصّنة داخل العراق، وذلك بتنسيق كامل مع الحكومة العراقية.

هذه الخطوة تطرح سؤالاً بديهياً: إذا كانت واشنطن قد بدأت فعلاً بالانفتاح على الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، ورفعت جزءاً من العقوبات عنها، فلماذا لا يتم تسليم هؤلاء المعتقلين مباشرة إلى دمشق؟

الجواب لا ينفصل عن مزيج دقيق من الحذر الأمني والبراغماتية السياسية.

السبب المعلن أولاً هو الخشية من تكرار سيناريوهات الهروب الجماعي، خصوصاً في ظل الاضطرابات الأمنية والاشتباكات المتقطعة بين قوات دمشق و”قسد”، وما شهدته سجون الحسكة وغيرها سابقاً من محاولات اقتحام وفرار منظم لعناصر التنظيم.

أما عملياً، فإن العراق يمتلك تجربة طويلة في محاكمة آلاف الداعشيين، إضافة إلى بنية تحتية أمنية وقضائية أكثر جاهزية واستقراراً، ما يجعله خياراً أقل مخاطرة من الناحية التقنية.

لكن خلف هذه الأسباب، تختبئ طبقة أعمق من الحسابات السياسية. فالولايات المتحدة، رغم انفتاحها الكبير على دمشق، لا تزال تبدي تحفظاً على قدرة الحكومة السورية الجديدة على إدارة هذا الملف الحساس بأمان كامل، في ظل نشوء هذه السلطة من رحم “هيئة تحرير الشام” ذات الخلفية المتشددة سابقاً، رغم التحولات المعلنة.

صحيح أن دمشق أظهرت التزاماً واضحاً بمحاربة “داعش”، وانضمت إلى التحالف الدولي، وأحبطت مخططات إرهابية خلال الأشهر الماضية، إلا أن القلق الأميركي لا يزال قائماً من احتمال وجود تعاطف أيديولوجي محدود لدى بعض العناصر الأمنية مع السجناء، فضلاً عن أن سيطرة الدولة على مجمل أجهزتها الأمنية لم تكتمل بعد، في ظل تعقيدات دمج الفصائل المسلحة وتعدد الولاءات والدعم الخارجي لبعض المجموعات.

إلى جانب ذلك، فإن استمرار التوتر الأمني في الشرق السوري يكرّس حالة “الفراغ الهش”، ما يدفع واشنطن إلى تفضيل الحل العراقي المؤقت لحماية ما تعتبره إنجازها الأهم في سوريا: منع عودة تنظيم “داعش” كقوة عسكرية منظمة.

في الخلاصة، تعكس هذه الخطوة مقاربة أميركية براغماتية: دعم استقرار الدولة السورية من جهة، ولكن من دون المجازفة بمصالح أمنية حيوية من جهة أخرى.

ويبقى السؤال المفتوح: هل تمهّد هذه الخطوة لانسحاب أميركي أوسع من شمال سوريا؟

الجواب ستحدده مسارات العلاقة المقبلة بين “قسد” والحكومة السورية، وحجم قدرة دمشق على بسط سيطرتها الأمنية.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration