هذا ليس سقوط النظام العالمي بل سقوط العالم. حين يتحول الى كوميديا سوداء بطلها ذلك الوحش الذي يريد أن يقود الكرة الأرضية بأسنانه، ودون أن يكتفي بقيادتها بالهوت دوغ والروك اند رول وصولاً الى الشبكة العنكبوتية ...
انها أميركا التي وصفها الفرنسي الكسي دو توكفيل "الابنة الكبرى للتاريخ"، وكاد يصفها بـ"الابنة الكبرى لله". هي فعلاً المعجزة ان بالفسيفساء البشرية والثقافية، أو بالتطور التكنولوجي الذي فاق الخيال. لكن نظرتها الاستراتيجية الى العالم حملت فرنسيس فورد كوبولا، مخرج "الرؤيا الآن" و"العراب" و"دراكولا"، على التساؤل "لماذا نظرة العنكبوت لا نظرة الملائكة ؟".
أجل الكوميديا السوداء حين نرى فولوديمير زيلينسكي، الدمية العارية في زاوية المسرح، يدعو أميركا التي على وشك أن تلقي به في صندوق القمامة، الى تدمير ايران، فيما التنين يراقص دونالد ترامب على أرصفة وول ستريت. أما الدببة القطبية فلا ندري أي نوع من الصفقات يمكن أن تعقد بينها وبين واشنطن ان حول الشرق الأوروبي أو حول الشرق الأوسط، وبعدما عانينا الكثير من الطنابر الطائرة الروسية، وكان عليها أن تواجه الطائرات الخارجة للتو من مصانع "لوكهيد مارتن" الأميركية .
وضعنا الآن لا ينتظر فقط المسار التفاوضي بين دمشق وتل أبيب وانما أيضاً المسار العسكري بين واشنطن وطهران. المشكلة هنا أنه مثلما تريد الحكومة الاسرائيلية تعرية البلدان العربية من أطافرها ـ وهذا ما حدث فعلاً، تريد الادارة الأميركية تحويل ايران الى جثة استراتيجية. في هذه الحال كيف يمكن للنظام أن يبقى، وبعدما لاحظنا كيف أن صحيفة "اسرائيل هيوم" تقدم رضا بهلوي، ابن الشاه المخلوع، كما لو أنه "قوروش الأكير" لا القهرمانة في مخدع أي عابر سبيل ...
هذا ليس افتتاناً بالنظام الايديولوجي في ايران، لكنه الوقوف في وجه من يسعى لتحويل ما تبقى من هذا العالم الى مقبرة، لنتوقف عند وصف الفيلسوف الفرنسي فرنسوا بورغا الاستراتيجية الأميركية والاستراتيجية الاسرائيلية بـ "استراتيجية حفر القبور". الفارق أن الأميركيين يضعون الأزهار على قبور ضحاياهم. الاسرائيليون يتركون الضحايا للغربان أو للكلاب...
لا دونالد ترامب يستذكر نهاية هولاكو أو نهاية الفوهرر، ولا ينيامين نتنياهو الذي يثير غضب، وسخرية، المؤرخ شلومو ساند، "لأن التوراة قالت بوقوفنا بين يدي أميركا لا بين يدي الله"، محذراً من "الهولوكوست الذي ينتظرنا عند بوابة البيت الأبيض لأن الموتى باقون في عيون أطفالهم ..." !
أميركا تدعونا الى التخلي عن سياسة "الطرقات المتعرجة" والتفاوض المباشر مع الاسرائيليين لأن الطريق الى أورشليم لم يعد طريق الجلجلة وانما طريق القيامة، وبعدما رأوا في التفاوض غير المباشر، أو في التفريق بين العسكريين والمدنيين في آلية التفاوض، نوعاً من الشعوذة الديبلوماسية لأن المسألة هنا تتعلق بمستقبل الأجيال "لا بمستقبل القطط"، كما قالت مورغان أوتاغوس لمرجع لبناني.
واذا ما اقتفينا أثر اشقائنا السوريين، وذهبنا الى اذربيجان أو الى باريس، ولنا تجربتنا عام 1983 بين خلدة وكريات شمونا، أي مفاوضات تلك بين بين يمتلك تلك الأرمادا الايديولوجية، والعسكرية، والمالية، وبين الدولة التي ما زالت تطرق، ومنذ سنوات، أبواب صندوق النقد الدولي من أجل 3 مليارات دولار، أي المبلغ الذي تنفقه أي دولة عربية ثرية في ليلة واحدة أو أقل لراقصات ألف ليلة وليلة.
كنا نتمنى لو كنا والاشقاء السوريين في موقف، وفي موقع، تفاوضي واحد. لكن براك أثار شكوكنا بعدما ذكرت تقارير ديبلوماسية أوروبية، أنه وعد الشرع بأن يكون لبنان جزءاً من الصفقة التي يعقدها مع اسرائيل. الغريب أن تل أبيب رفضت ظهور الرئيس السوري في بيروت، بعدما منعت رجب طيب اؤدوغان من الظهور في دمشق. الكلمة الأخيرة تبقى لأميركا التي تتعامل مع حلفائها كخردة بشرية. ها هي "قوات سوريا الديموقراطية" أمامنا، بعدما باع الأكراد أرواحهم للشيطان. كلبنانيين، ترون كيف نقدم أرواحنا مجاناً للشيطان ...
ولنعد، بصورة خاطفة، الى قول الفيلسوف الفرنسي لوي التوسر الذي قاتل الى جانب المقاومة ضد النازية "ثمة ساسة يضيئون الطريق أمام الشيطان"، المسألة لا تحتاج أكثر من الاصغاء لبعض وزرائنا، ونوابنا، كما للعديد من المحللين السياسييين الذي يتكاثرون كما الذباب على الشاشات، أو كما الأرانب اذا شئتم. الدعوة الى السلام المفتوح مع اسرائيل كما لو أن نتنياهو الأم تيريزا لا دراكولا الشرق الأوسط ...
اسرائيل تدرك مدى تبعثرنا، وتعثرنا، لكي يراهن الجنرال أفرايم سنيه على اعادة بناء الهيكل بجماجمنا ما دامت هذه حالنا، وما دمنا نراهن على الضربة الأميركية على ايران لكي يشق أحدهم الطريق الى بعبدا وهي مفروشة بالورود ...
فقط لماذا الضربة اذا كان الرئيس الأميركي يؤكد أنه دمر البرنامج النووي الايراني، واذا كان العالم كله يعلم انكفاء أي دور جيوسياسي لايران في المنطقة. وها أن حاملة الطائرات "لينكولن" تتهادى نحو المحيط الهادئ. هل للضغط على آيات الله والذهاب عراة الى طاولة المفاوضات أم لتنفيذ الحلقة الأخيرة من مسلسل تغيير الشرق الأوسط ؟ أجل، قد يتغير. كيف ؟ انتظروا ... يوم القيامة !!
2 min read