إضرابات على مين؟

كانون الثاني 2026 الساعة 00:00
إضرابات على مين؟

A- A+

غالباً ما يلجأ اصحاب المطالب او الشكاوى او المحتجون على واقع معين، الى اعتماد طريق الاضراب، فيتوقفون عن العمل او عن تناول الطعام مثلاً، بهدف الضغظ على الجهة التي يحتجون بوجهها، او السلطة التي لا تلبي مطاليبهم او مطالب الشعب بشكل عام.

صحيح ان الاضرابات تشكل وسيلة ضغظ على السلطة او الادارة او الشركة، واحياناً ينال المضربون مطاليبهم او بعضها، خصوصاً اذا استطاعوا تجييش الاعلام والرأي العام، إلا انه في معظم الاحيان، لا يؤدي الى النتيجة المرجوة، خصوصاً اذا كانت الجهة المقابلة غير مهتمة او "تدير اذنها الطرشا"، او لا يهمها الرأي العام.

وبالتالي، قد يؤدي هذا الاضراب الى تعطيل المرفق العام، خصوصاً متى كان المضربون ينتمون الى ادارة الدولة او الى ادارة تؤدي خدمة عامة. واحياناً يتم استغلال الاضرابات سياسياً من قبل جهات لها مصالح بهذا الخصوص.

نحن نفهم ان يضرب انسان عن الطعام، فيتحرك الرأي العام لمعالجة سبب اضرابه قدر الامكان. اما الاضرابات في الادارات التي تؤدي خدمة عامة، فهي برأينا من أسوأ الحلول، خصوصاً متى كانت بوجه سلطة فاسدة او مهملة وغير مهتمة ولا تعنيها مصلحة مواطينها، ولبنان من اكثر البلدان الذي مرت عليه حكومات وعهود لا تهمها مصلحة مواطينها، ولا تتابع شؤونه، فوصلنا الى الفساد في الادارات والى المولدات الكهربائية، التي تدرّ مليارات الدولارات على اصحابها، والذين يستعملون عواميد كهرباء الدولة، ولا نعلم اذا كانوا يدفعون الضرائب والرسوم لها.

في معظم الاحيان، لا تكون الاضرابات بريئة، وتكون لها عدة اهداف، منها تعطيل المرفق العام لتقوى سلطة الاحزاب  والمافيات على سلطة الدولة، او لوقف ملفات كشف فساد او جريمة من جرائم العصر، او ملفات اموال مودعين مظلومين. وبالعكس، هناك اضرابات اهدافها محقة ظاهرياً وفعلياً، بعد ان يكون قد طفح الكيل. ولكن هل الحل بالاضرابات؟

اخبرني النائب المرحوم اوغست باخوس، انه زار اليابان في العام 1974 مع وفد نيابي، للاطلاع على سير العمل في هذا البلد العظيم. فدخل مع زملائه النواب الى معمل، ورأى ان بعض العمال يضعون على زند يدهم شريطاً، وبعضهم لا يضعون. إلا ان الجميع كان يعمل. ولدى استفساره عن الامر، افاده مرافقهم ان من يضع الشريط في حالة اضراب، وانه يعمل كي لا يعطل مصالح الشركة والناس.

في النقابة، كنت دائماً اكرر لدى إبداء رأيي في موضوع الاضراب، انه في بلد مثل لبنان لا ينفع بل يضر. وكنت غير موافق وبصورة دائمة، على مبدأ الاضراب في النقابة، وكنت اعطي مثلاً انه حين تضرب النقابة، لا احد يهتم. محامون يذهبون الى الجبل وآخرون الى البحر، وقسم يعمل في مكتبه. فيأتي الاعلام ويصور قاعة الخطى الضائعة في اليوم الاول لمدة دقيقة، وينتهي الامر. في حين انه اذا قام محتجون في عكار او الجنوب او جبل لبنان او البقاع، ورموا البندورة في الطريق، يصورهم الاعلام ويعطيهم الاهمية اللازمة.

من هنا، لم اوافق في خلال ولايتي على اي اضراب من قبلنا، وانتقدت بشدة اعتكاف القضاة ورددت العبارة التي بات الجميع يرددها: العدالة لا تعتكف، خصوصاً وان مصالح الناس متعلقة بها. وفي زيارتي مع نقيبة طرابلس العزيزة ماري تريز القوال فنيانوس لفخامة الرئيس العماد ميشال عون، اعربت عن معارضتي الشديدة للاعتكاف، لان "القاضي هو كل شيء". وعندما استغرب الرئيس عون، استطردت قائلاً: "فخامة الرئيس، اذا ارسلت في طلبي وقلت لك لن احضر. هل تستطيع ان تفعل شيئاً"؟

اجاب: كلا. اردفت قائلاً: اذا طلبني القاضي ولم احضر، قد يصدر مذكرة احضار، او بلاغ بحث وتحر، ومذكرة توقيف... الخ. واكثر من ذلك فإن القاضي يتدخل في جميع شؤون الادارات والمواطنين ويتخذ القرارات بشأنها. فيتدخل في اعمال الوزارات والمؤسسات، وقضايا الاحوال الشخصية والمدنية والتجارية والجزائية، ويضع اشارات الدعاوى والحجوزات، ويرفعها. فإذا توقف عن العمل يصبح مثل كابتن الطائرة الذي يعتكف، فتصبح الطائرة في البحر.

قد يسألني البعض ما هو البديل؟ فإذا استنفدت طرق الحوار، وكان لا بد من الاحتجاج بقوة، فالتظاهرات والاعتصامات المدروسة ان لناحية العدد، او لناحية تحديد المطالب، مع التغطية الاعلامية هي السبيل الانجع. وهذا ما قمنا به يوم اعتصم نقباء المهن الحرة امام مجلس النواب، على اثر محاولة تمرير مشروع قانون يتعلق بأموال المودعين، وعطلناه بعد ان حضر مئات المحامين والمهندسين والاطباء وغيرهم من اصحاب المهن الحرة.

نقيب المحامين السابق في بيروت 

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration