الحكم مسؤوليّة لا امتياز قراءة في عهد الإمام علي الى مالك الأشتر(1)

الحكم مسؤوليّة لا امتياز
قراءة في عهد الإمام علي الى مالك الأشتر(1)

A- A+


في زمن تتآكل فيه الثقة بين الناس والسلطة، ويشعر المواطن أن الدولة باتت بعيدة عنه، يصبح السؤال الجوهري: لمن يكون الحكم؟ أللنفوذ أم للناس؟ للإكراه أم للعدل؟ هذا السؤال ليس جديدًا، وقد أجاب عنه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قبل قرون، في عهده إلى مالك الأشتر، بوصفه وثيقة سياسية صالحة لكل زمان، بما فيها زماننا هذا.

يرفض الإمام علي منطق الحكم بوصفه غنيمة سياسية أو وسيلة للسيطرة، ويضع تعريفًا حاسمًا للسلطة: هي أمانة في عنق من يتولاها، ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون صلاحيات قانونية. في هذا المعنى، لا يُقاس الحاكم بقوة أجهزته ولا بعدد أنصاره، بل بقدرته على صون حقوق الناس، وبمدى شعور المواطن أن الدولة وُجدت من أجله لا فوقه.

ويضع الإمام معيارًا واضحًا للعلاقة بين الحاكم والمجتمع، أساسه الرحمة والإنسانية. فالناس، في رؤيته، ليسوا خصومًا يجب إخضاعهم، ولا جمهورًا يُدار بالخوف، بل شركاء في الوطن، تجمعهم بالحاكم رابطة إنسانية قبل أي انتماء آخر. وحين تتحوّل السلطة إلى قسوة، فإنها لا تفقد مشروعيتها الأخلاقية فحسب، بل تزرع بذور انفجارها من الداخل.

أما العدل، فهو عند الإمام علي جوهر الحكم لا شعاره. فلا دولة تستقر بالتمييز، ولا سلطة تدوم بالمحسوبيات، ولا أمن يُبنى على الظلم. العدل الذي يدعو إليه الإمام ليس انتقائيا ولا خاضعًا للحسابات السياسية، بل شامل، يطال القريب والبعيد، القوي والضعيف، لأن الناس لا تطلب من الدولة الكمال، بل تطلب الإنصاف.

وفي نقده العميق لبنية السلطة، يحذّر الإمام من أخطر ما يصيب الحكم: بطانة المصالح. تلك التي تعزل الحاكم عن واقعه، وتزيّن له الخطأ، وتحوّل الدولة إلى ملك خاص. فالحاكم الذي يسمع صدى صوته فقط، يفقد القدرة على الإصلاح، مهما حسنت نياته. ومن هنا، تصبح الشفافية والمساءلة شرطين أساسيين للحكم الرشيد، لا ترفًا سياسيًا.

ثمّ إنّ الإمام يوجّه تحذيرًا صارمًا من الاستبداد، لأن الحاكم الذي يختزل الدولة في شخصه، يهدمها من حيث لا يشعر. فادعاء العصمة السياسية، واحتكار القرار، ورفض النقد، ليست مظاهر قوة، بل علامات خوف وضعف، تنتهي دائما بعزلة السلطة عن المجتمع.

إن خطاب الإمام علي إلى مالك الأشتر لا يقدّم وصفة تقنية لإدارة الدولة، بل يضع ميزانًا أخلاقيا للحكم: عدالة تحمي، ورحمة تحتوي، ومسؤولية تُحاسَب. وهو ميزان لو أُخذ به اليوم، لتغيّر وجه السياسة في كثير من بلداننا.

في النهاية، يذكّرنا الإمام علي بحقيقة تُقلق كل سلطة غير عادلة: الدولة لا تقوم بالقوة، بل بثقة الناس، والحكم الذي لا يشعر فيه المواطن بكرامته، هو حكم مؤقّت مهما طال.


(1) أقرت منظمة الأمم المتحدة في تقريرها الإنمائي لعام 2002 عهد الإمام علي بن أبي طالب إلى مالك الأشتر كوثيقة إنسانية وحقوقية عالمية، واصفة إياه بـ "أعدل حاكم في تاريخ البشرية". أدرجت الأمم المتحدة مقتطفات من هذا العهد ضمن مبادئها للعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، والتسامح، وإدارة الدولة، واعتبرته مصدرًا للتشريع الدولي.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration