إجتماع سفيرَيّ واشنطن في عمّان: أميركا توجّه النزاع وترسم خطوط "السلام الممكن" على الحدود اللبنانية –"الإسرائيلية"

كانون الثاني 2026 الساعة 00:00
إجتماع سفيرَيّ واشنطن في عمّان: أميركا توجّه النزاع
وترسم خطوط

A- A+

لم يكن الإجتماع غير الإعتيادي الذي عُقد بين سفيري الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان ميشال عيسى ولدى "إسرائيل" مايك هاكابي، برعاية واستضافة أميركية في العاصمة الأردنية عمّان، تحت عنوان عريض "السلام المستدام"، مجرّد لقاء تنسيقي عادي بين بعثتين ديبلوماسيتين. فالزمان والمكان واللغة السياسية المستخدمة في البيانات التي تلته، تكشف بوضوح أنّ واشنطن أطلقت مساراً مدروساً، لإعادة ضبط مقاربتها للحدود اللبنانية –"الإسرائيلية"، في لحظة إقليمية تتقاطع فيها الضغوط العسكرية، مع الحاجة إلى احتواء الانفجار الشامل.

الاجتماع، الذي عُقد خلال نهاية عطلة الأسبوع المنصرم، داخل السفارة الأميركية في الأردن، جاء في سياق إقليمي مضغوط، إذ باتت الجبهة الشمالية لـ "إسرائيل" إحدى أكثر ساحات التوتّر هشّاشة، في ظلّ عدم تمكّن "الميكانيزم" من فرض الإستقرار فيها، رغم دخول اتفاق وقف الأعمال العدائية بين الجانبين حيّز التنفيذ في 27 تشرين الثاني من العام 2024، ورغم تطعيمها أخيراً بمدنيَين. فيما يعاني لبنان من ضعف مؤسساتي يحدّ من قدرته على إدارة أي تصعيد طويل الأمد. في هذا الإطار، تبدو واشنطن كمن يحاول الانتقال من سياسة "إطفاء الحرائق" إلى سياسة "تنظيم الاشتعال".

لماذا عمّان؟ ولماذا الآن؟ تجيب أوساط ديبلوماسية مطلعة بأنّ اختيار الأردن لم يكن تفصيلاً. فعمّان تمثّل نقطة توازن إقليمي: حليف موثوق لواشنطن، مرتبط باتفاق سلام مع "إسرائيل"، وقادر على لعب دور الوسيط غير المعلن في الملفات الحسّاسة، ما يشكّل مساحة "آمنة" للديبلوماسية الهادئة، بعيداً عن الضغوط السياسية والإعلامية المباشرة. كما تعكس استضافة الاجتماع استعداد عمّان للعب دور صمّام أمان إقليمي، وتمنحها موقعاً متقدّماً في أي ترتيبات لاحقة. كذلك فإنّ واشنطن عبر الأردن، تلمّح إلى أن أي تسوية جزئية في الجنوب اللبناني، لن تكون معزولة عن الإطار الإقليمي الأوسع. كما يشي بأنّها لا تريد ربط هذا المسار مباشرة ببيروت أو بـ "تل أبيب"، بل تفضّل إدارة الملف من مساحة محايدة نسبياً، تتيح لها التحرّك بعيداً عن الضغوط الداخلية للطرفين.

أمّا التوقيت، فيرتبط مباشرة بتآكل فاعلية وقف إطلاق النار القائم، وبالعجز الواضح للآليات التقنية عن منع الانزلاق المتكرّر نحو المواجهة.

من هنا، ترى الأوساط الديبلوماسية بأنّ الاجتماع هو "محاولة إستباقية" لمنع تحوّل الاحتكاكات المحدودة إلى صراع مفتوح، في وقت تبدو فيه المنطقة أقلّ قدرة على تحمّل حرب إضافية. وهذا الطابع يعكس مرحلة تمهيدية تسعى فيها واشنطن إلى بلورة تصوّر متكامل، قبل الإنتقال إلى خطوات أكثر علنية.

ونوقشت خلال الإجتماع مجموعة ملفات مهمّة، وفق المعلومات، أبرزها:

1- تقييم الوضع الأمني على الحدود اللبنانية – "الإسرائيلية" وانعكاساته الإقليمية.

2- سبل تعزيز الديبلوماسية كبديل عن المقاربة العسكرية.

3- إمكان الانتقال لاحقاً إلى خطوات عملية تساهم في الاستقرار، سواء عبر آليات مراقبة أو تفاهمات غير مباشرة.

4- البُعد الاقتصادي للسلام، أي ربط الاستقرار الأمني بإمكانات تنموية مستقبلية، ولو على المدى البعيد.

وتشير الأوساط الديبلوماسية هنا، إلى أنّ التلميح "إلى منطقة أكثر ازدهاراً"، يعني أنّ البُعد الإقتصادي هو أداة ضغط ناعمة. فواشنطن تدرك أنّ لبنان المنهك إقتصادياً، قد يكون أكثر قابلية لتقديم تنازلات غير معلنة، مقابل وعود بالاستقرار والانفتاح الاقتصادي، ولو بقيت هذه الوعود في إطارها النظري.

غير أنّ هذا الطرح يواجه معضلة أساسية: كيف يمكن الحديث عن إزدهار إقتصادي، من دون معالجة جوهر الصراع، وفي ظلّ اختلال واضح في موازين القوة؟ هنا، يتحوّل الاقتصاد إلى أداة إدارة، لا إلى مدخل حلّ.

أمّا الإصرار على استخدام تعبير "السلام المستدام والفعّال بين لبنان" و"إسرائيل"، فتلفت الأوساط المطلعة إلى أنّه مصطلح سياسي غير بريء، لأنّه في القاموس السياسي الأميركي، لا يعني إتفاقاً نهائياً وشاملاً للسلام بالمعنى التقليدي، بل يشير إلى حالة إستقرار مُدارة، تُضبط فيها المواجهة العسكرية من دون حلّ جذري لأسبابها. بعبارة أوضح، لا تسعى واشنطن حالياً إلى فرض سلام لبناني – "إسرائيلي"، على ما توضح الأوساط، بل إلى منع الحرب، وتثبيت خطوط تماس أقلّ كلفة. وهذا ينسجم مع نهج أميركي أوسع، يقوم على تجميد النزاعات بدلاً من حلّها، ريثما تتغيّر موازين القوى أو تتوافر ظروف سياسية أنضج.

وفي ما يتعلّق بغياب أي تمثيل لبناني أو "إسرائيلي" مباشر، فإنّ ذلك يوّكد، وفق الأوساط نفسها، على أنّ الاجتماع كان مخصصاً لتوحيد القراءة الأميركية للملف، لا لإطلاق مبادرة علنية. فواشنطن قبل مخاطبة الأطراف المعنية، تحتاج إلى اتفاق داخلي بين أدواتها الديبلوماسية حول سقف الحركة والرسائل المتعدّدة الاتجاهات، وليس إطلاق مسار تفاوضي مباشر (أي التطبيع):

- إلى "إسرائيل"، تحمل هذه الرسائل تحذيراً مبطّناً من الذهاب بعيداً في التصعيد، لأنّ أي حرب واسعة شمالاً قد تقوّض أولويات أميركية أخرى في المنطقة.

- الى لبنان، رسالة غير مباشرة مفادها أنّ الاستقرار ليس خياراً مجانياً، بل مشروط بسلوك أمني وسياسي قابل للضبط.

- أما إقليمياً، فالرسالة الأوضح هي أنّ الولايات المتحدة تعود إلى لعب دور "المنسّق لا المُراقب"، في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة رسم للأدوار.

في المحصلة، لا يحمل اجتماع عمّان إختراقاً سياسياً، على ما تختم الأوساط، لكنه يؤشّر إلى "واقعية أميركية باردة لا سلام شاملاً في الأفق، ولا حرب مفتوحة مرغوبة". فما تسعى إليه واشنطن هو "إدارة النزاع بأقل كلفة ممكنة، وضبط إيقاعه بما يخدم أولوياتها الإقليمية".

يبقى السؤال الجوهري: هل يملك هذا النهج القدرة على الصمود؟ أم أنه مجرّد تأجيل لانفجار مؤجّل؟ التجربة تقول إن "السلام المُدار" هشّ بطبيعته، وأنّ تجاهل جذور الصراع قد يشتري الوقت، لكنه نادراً ما يشتري الإستقرار الدائم.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration