في لبنان المفردات ليس لها المعاني نفسها عند المكونات بسبب غلبة التفسير الطوائفي. لا مفهوم السيادة واحد. لا مفهوم العدو واحد. لا مفهوم الصديق واحد. وقس على ذلك معنى الوحدة الوطنية والمواطنة والعيش الواحد والمشترك. وفي الآونة الأخيرة ازدادت الالتباسات حول معنى «التنظيف» و«الحياد» و«إعادة البناء» و«الفجوة المالية» و «مبادرة السلام والتفاوض» التي يدعو إليها السفيران الأميركيان في لبنان واسرائيل. وكذلك حول استمرار «لجنة الميكانيزم» أو استبدالها واستطرادا حول «حصرية السلاح».
الغموض سيد الموقف في لبنان. والمواقف الباطنية تتحكم بكل شيء. فلا مصارحة بين الجميع، بل ترك الأمور للأقدار والسياسات البعيدة للرؤساء الدوليين والاقليميين والسفراء. فالتجاذب الداخلي اللبناني الحاد يجلب الخارج الدولي والاقليمي فتصبح الرؤى السياسية المحلية استكمالا وصدى لهذا الخارج بحيث تصبح الاصطفافات الداخلية محكومة بعلاقات «الخارج» ببعضه في حالة الخلاف أو الوفاق.
ومن تابع النقاشات في مجلس النواب لمشروع قانون الموازنة يهوله عمق الافتراق في المواقف مع استبعاد لأي «مشترك». فقلة من النواب تبحث عن معالجة واقعية لثُغر الموازنة وفجواتها فيما آخرون يخلطون الحابل بالنابل ويناقشون أمورا تباعد بينهم «إثباتا للتمايز» أو لفتًا لأنظار الخارج الدولي. فاللبنانيون يذهبون بأفكارهم إلى ما هو أبعد من الحسابات اللبنانية العميقة فينقسمون بين من ساند الولايات المتحدة الأميركية ومن يساند ايران، علما بأن خطوط الحوار والديبلوماسية مفتوحة بين واشنطن وطهران في الوقت الذي هي «مقفلة» بين الفرقاء اللبنانيين وحتى على الحوار العقلاني في البرلمان.
واضح أن واشنطن تعطي كل الإشارات لتقول إن مفتاح الوضع في لبنان هو بيد البيت الأبيض وسيّده الرئيس ترامب. و»المفتاح» حتى يدور في القفل المغلق شرطه فتح الحوار بين لبنان واسرائيل. هذا معنى رسالة السفيرين ميشال عيسى ومايك هكبي، وكذلك هي دلالة «مجلس السلام الأميركي العالمي» في غزة. المطلوب التطبيع ومن ثم اتفاقات السلام مع مجتمعات مشتتة في شبه دول تقوم على جماعات موزعة فعليا على «أقاليم الحكم الذاتي».
والرئيس ترامب يريد السلم والحرب في الوقت ذاته مع ايران. هو يحشد الأساطيل والطائرات، وهي الصواريخ البعيدة المدى والحلفاء القريبين والبعيدين. ولذا هناك من يتكلم على حرب بين الولايات المتحدة الأميركية وايران في الأيام القريبة المقبلة بعد استكمال التجهيزات العسكرية. ويفسّر البعض أن التوقيت القريب لهذه الحرب المفترضة يأتي من مصادر ديبلوماسية وغير ديبلوماسية. جزم من مصادر إعلامية اسرائيلية وعدم التزام بالحياد من جانب الأمين العام لحزب الله جوابا عن أسئلة للحزب من جهات غربية أرادت أن تعرف موقفه في حال شنت الولايات المتحدة الحرب على ايران.
ومع ذلك الثابت أن واشنطن وطهران تقفان على حافة الحرب وأيضا على حافة السلم والتفاوض. فالمسألة تدور حول النفوذ وحدوده في المنطقة. فواشنطن لا تريد «إزالة طهران» ولا النظام السياسي. كما أن طهران تعترف بالتحوّلات العميقة في المنطقة، إنما أيضا تريد الأخذ في الاعتبار لنفوذها الاقليمي ولحقّها في امتلاك طاقة نووية سلمية، وخصوصا أن المستقبل هو لمثل هذه الطاقة. فالحرب كما التفاوض هما وسيلة النفوذ لا أكثر ولا أقل.
2 min read