هل يواكب حكّام كرة القدم اللبنانيون التطوّر الكروي؟

كانون الثاني 2026 الساعة 00:00
هل يواكب حكّام كرة القدم اللبنانيون التطوّر الكروي؟

A- A+

في كرة القدم الحديثة، لم يعد الحكم مجرد رجل يطلق الصافرة، بل عنصرًا أساسيًا في جودة اللعبة وعدالتها، ومع التسارع الكبير في تطوّر القوانين، والتكنولوجيا، وإدارة المباريات، يُطرح السؤال بوضوح في لبنان: هل يواكب حكّامنا هذا التطوّر أم ما زالوا أسرى قوانين الماضي... وإلى اي مدى يمكن أن تتطور منظومة التحكيم وتواكب كل جديد حتى يرتقي لدينا الدوري.

حتى نبقى نفتخر بحكامنا اللبنانيين أينما حلوا في المباريات القارية، والتاريخ يشهد على ذلك وأن الحكم اللبناني لا يقل كفاءة أو مقدرة عن سائر الحكام العرب والآسيويين، ولنا في مونديال 2002 في كوريا الجنوبية واليابان خير دليل حين شارك الحكم الدولي حيدر قليط في إدارة المباريات في هذا العرس العالمي.

تطوّر عالمي… ووتيرة محلية بطيئة

عالميًا، شهد التحكيم نقلة نوعية من تحديث مستمر لقوانين اللعبة واعتماد التكنولوجيا (VAR، Goal-line) وتركيز على قراءة اللعب لا فقط تطبيق النص وكذلك إعداد بدني ونفسي عالي للحكم، في المقابل، ما زال الحكم اللبناني يعمل في بيئة: تفتقر إلى التكنولوجيا بكامل مندرجاتها وتطورها وتفتقد الاستمرارية في التدريب والحكم تُحاصره الضغوط الإدارية والجماهيرية.

المشكلة ليست في الحكم وحده إذ من السهل تحميل الحكم مسؤولية كل خطأ، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فالحكم اللبناني يعاني من ضعف الإعداد البدني المنتظم وغياب الاحتراف الكامل وقلّة المباريات عالية الوتيرة وضغوط إعلامية وجماهيرية مفرطة ووشبه انعدام للحماية المعنوية والمؤسساتية، في كثير من الأحيان، يُطلب من الحكم إدارة مباراة محترفين بعقلية الهواة.

محمد منصور

ومتابعة لهذا الملف، كان لـ"الديار" وقفة مع الحكم الدولي السابق محمد منصور الذي قال: "في ظل دوري لبناني ضعيف لا يمكن للحكم أن يتطور إلى الأمام، والمتعارف عليه أن الدوري القوي ينتج حكما قويا، ومستوى حكامنا يتراوح ما بين المتوسط إلى جيد في بعض المباريات القوية، وعلى الرغم من وجود تقنية الفار على الحكم أن يطور نفسه بنفسه وخصوصا هناك تعديل جديد يدخل عالميا على اللعبة بشكل متسارع.. وفي غالبية المباريات نجد بعض الأخطاء بسبب غياب الانسجام والتعاون بين الحكم وحكام طاولة الفار، وبشكل عام كم قلت بين المتوسط والجيد".

يتابع: "المشكلة ليست في الحكم وحده بل هناك منظومة مشتركة تبدأ من الاتحاد اللبناني ولجنة الحكام وصولا إلى الحكام في النهاية، وعلى الحكم أن يعرف كيف يتعامل مع الفار وكل التقنيات الحديثة التي وجدت لتسهل مهمته أكثر من ذي قبل وأن يكون هو صاحب القرار والشخصية داخل المستطيل الأخضر ويعلم تماما أن الرجوع للفار يكون في الحالات التي فيها لبس أو شك مثل الطرد وضربات الجزاء، كما ارى ان اللاعبين والاندية هم جزء من المنظومة ومن المشاكل التي قد تحدث أحيانا".

يعتبر منصور ان لجنة الحكام موجودة منذ سنوات ورئيسها يعلم تماما بكل الأمور والقوانين التحكيمية، وقد استعانوا بخبير مصري ويحاولون تطوير الحكم اللبناني قدر الإمكان وهو بحاجة لاهتمام فالتحكيم جزء من نجاح اللعبة الشعبية وعندما يؤدي الحكم دوره بشكل جيد ينعكس على مستوى الدوري واللعبة ويحسن صورة الاتحاد وبلده.

يختم: "هناك ازمة ثقة بين الأندية والحكام وغالبا عندما يخسر الفريق يهاجمون الحكم ويكون هو شماعة الخسارة، وهذا الأمر نجده في غالبية دوريات العالم، وعلى علمي ان الاتحاد لا يساير الأندية ولا يسير وفقا لأهواء البعض متمنيا التوفيق والنجاح لحكامنا".

أزمة ثقة متبادلة

هناك فجوة واضحة بين الحكّام واللاعبين والإداريين والجمهور، هذه الفجوة تُنتج توترًا دائمًا واعتراضًا مبكرًا وفقدانًا للهيبة داخل الملعب... ومتى فُقدت هيبة الحكم، فقدت المباراة توازنها.

إذا أردنا تحكيمًا يواكب اللعبة، نحتاج إلى احتراف جزئي أو كامل للحكّام وإعداد بدني وتقني ثابت وتأهيل نفسي لإدارة الضغط وحماية الحكم من الحملات الشعبوية وإدخال التكنولوجيا تدريجيًا وأخيرا ثقافة احترام القرار التحكيمي، فالحكم بالنهاية هو إنسان من لحم ودم وأحاسيس ومشاعر وأعصاب قد يصيب وقد يخطئ، ولا ننسى أن القرار الذي يتخذه قد لا يتجاوز نصف الثانية.

الحكم اللبناني ليس متخلّفًا كفاءةً، لكنه متروك نظامًا والتطوّر الكروي لا ينتظر أحدًا، ومن دون تحكيم حديث ستبقى كرة القدم اللبنانية تلعب خارج الزمن.

مقارنة مع دول مشابهة

عند مقارنة واقع التحكيم اللبناني بدول صغيرة أو محدودة الموارد، يتبيّن أن المشكلة ليست في الإمكانات بقدر ما هي في الإدارة.

في الأردن مثلًا، ورغم غياب تقنية الـVAR لفترات طويلة، استثمر الاتحاد في برامج تأهيل مستمرة، وأرسل الحكّام إلى معسكرات خارجية، ما سمح بظهور أسماء قادرة على إدارة مباريات إقليمية بثقة.

أما في تونس، حيث التحديات الاقتصادية حاضرة أيضًا، جرى اعتماد نظام تقييم صارم للحكّام، وربط الترقي بالأداء لا بالأقدمية، إلى جانب إدخال تدريجي للتكنولوجيا، ما ساهم في رفع مستوى إدارة المباريات محليًا وقاريًا.

أما في قبرص، الجزيرة المتوسطية الصغيرة ذات الدوري المتواضع جماهيريًا، فقد تم التركيز على الاحتراف الجزئي للحكّام، وتأهيلهم بدنيًا ونفسيًا، ما جعلهم أكثر قدرة على التعامل مع مباريات ذات إيقاع مرتفع، وأكسبهم احترام اللاعبين والإعلام.

هذه التجارب تُظهر أن التطوّر التحكيمي لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى خطة واضحة، استمرارية، وإرادة مؤسساتية. وهي عناصر ما زال التحكيم اللبناني يفتقدها، رغم امتلاكه طاقات بشرية قادرة على التطوّر متى وُضعت في الإطار الصحيح.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration