الدائرة 16 تهزّ إنتخابات أيّار: فراغ القانون يضع البرلمان في مأزق الحسم أو التأجيل

الدائرة 16 تهزّ إنتخابات أيّار: فراغ القانون يضع البرلمان في مأزق الحسم أو التأجيل

A- A+

أثار قرار وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجّار دعوة الهيئات الناخبة لانتخاب أعضاء مجلس النواب في أيّار المقبل، من لبنانيين مقيمين وغير مقيمين، إشكالية دستورية وسياسية مركّبة، لا تتعلّق بموعد الإنتخابات بحدّ ذاته فحسب، بقدر ما تكشف حجم الفراغ التشريعي والتنظيمي الذي يحيط بقانون الانتخاب النافذ، ولا سيّما في ما يتعلّق بآلية انتخاب النوّاب الستة المخصّصين للبنانيين غير المقيمين في "الدائرة 16". فعلى الرغم من أنّ دعوة الهيئات الناخبة تُعدّ إجراء روتينياً وملزماً ضمن المهل القانونية، إلا أنّها جاءت هذه المرّة من دون صدور المراسيم التطبيقية، ومن دون أي تعديل تشريعي يعالج الثغرات القائمة، ما يجعلها خطوة شكلية لا تحسم المسار، بل تضع مجلس النواب أمام مسؤولية لا يمكن تأجيلها.

يتمحور جوهر الأزمة، على ما تؤكّد مصادر سياسية مطلعة، حول ما يُعرف بـ"الدائرة 16"، التي ينصّ قانون الإنتخاب الحالي (رقم 44/ 2017) على تخصيصها لانتخاب ستة نواب يمثلون اللبنانيين غير المقيمين، موزّعين على القارات الست والطوائف الستّ الأساسية.

غير أن هذا النص بقي، منذ إقراره، من دون آلية تنفيذية واضحة. ولم تصدر مراسيم تنظّم كيفية الترشيح، أو توزيع المقاعد طائفياً وجغرافياً، أو احتساب الأصوات، أو الربط بين الدائرة 16 وبقية الدوائر.

ويُجمع خبراء قانونيون دستوريون على أنّ هذا الخلل ليس تقنياً أو إجرائياً، بل مسألة جوهرية يمسّ مبدأ صحة التمثيل والمساواة بين الناخبين، ويجعل تطبيق النص بحرفيته شبه مستحيل. فكيف يمكن تنظيم اقتراع عشرات أو مئات آلاف اللبنانيين المنتشرين في دول عربية وأجنبية، من دون تحديد واضح:

– من يترشّح وأين؟


– كيف تُحتسب الأصوات؟


– وكيف يُطبّق التوزيع الطائفي – القاري عملياً؟

وبحسب المصادر السياسية، فإن أي محاولة لإجراء إقتراع المغتربين من دون معالجة هذه الثغرة تشكّل مخاطرة قانونية جدّية، إذ تفتح الباب أمام طعون محتملة أمام المجلس الدستوري، قد تطال ليس فقط نتائج الدائرة 16، بل سلامة العملية الانتخابية ككلّ، لجهة وحدة المعايير، باعتبار أنّ القانون يُطبّق على فئة من الناخبين دون أخرى.

أمام هذا المأزق، يبرز سيناريو "العودة إلى الأصل"، أي السماح للبنانيين غير المقيمين بالاقتراع لنواب دوائرهم الـ15 داخل لبنان، كما حصل في انتخابات عامي 2018 و2022، عبر تعليق العمل مؤقتاً بنصّ النواب الستة. غير أنّ هذا الخيار، وفق إجماع الخبراء، لا يمكن أن يتمّ بقرار إداري من وزارة الداخلية أو بمرسوم حكومي، بل يحتاج إلى تدخّل تشريعي صريح من مجلس النواب، سواء عبر تعديل القانون أو عبر تعليق مواد محدّدة لمرة واحدة.

وفي غياب هذا التعديل، تبقى وزارة الداخلية والبلديات مقيّدة بالقانون النافذ، ما يجعل الدعوة إلى الاقتراع في الخارج، من دون حسم هذا الخيار، خطوة ناقصة قانوناً. وعلى صعيد اللبنانيين المقيمين، ترى المصادر السياسية بأنّ ما نصّ عليه المرسوم 2438، لجهة دعوة جميع هؤلاء الناخبين إلى الانتخاب في يوم واحد هو الأحد الواقع فيه 10 أيّار المقبل، يطرح تحديات لوجيستية وأمنية حقيقية، خصوصاً في الجنوب، حيث لا يزال احتمال عدم تمكّن عدد من الناخبين من الاقتراع في قراهم قائماً.

ولهذا فإنّ الخيارات المطروحة تتراوح بين إنشاء مراكز إقتراع بديلة داخل الأقضية، على ما توضح المصادر، أو نقل الصناديق إلى مناطق أكثر أماناً، أو اعتماد ترتيبات استثنائية بقرارات تنظيمية، وذلك في ظلّ عدم اعتماد "الميغاسنتر" الذي لا تزال تطرحه بعض الكتل النيابية كحاجة ملحّة، إلى جانب البطاقة الممغنطة.

إلا أنّ خبراء إنتخابيين يحذّرون من أنّ أي إجراءات إستثنائية يجب أن تكون مضبوطة قانوناً وبمعايير واضحة، تفادياً للطعن أو التشكيك في نزاهة العملية الانتخابية.

سياسياً، لا تخفي غالبية الكتل النيابية إدراكها لحجم الإشكالية، على ما تشير المصادر، لكن الخلاف يتمحور حول كيفية الخروج منها: ففي حين تميل كتل وازنة إلى خيار العودة إلى اقتراع المغتربين لدوائرهم الأصلية باعتباره الحلّ الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق، تصرّ كتل أخرى على ضرورة إحترام النصّ الحالي بحرفيته، معتبرة أنّ تعليق الدائرة 16 يشكّل انتقاصاً من حقّ الاغتراب بتمثيل مستقل.

في المقابل، تبرز مقاربة ثالثة داخل المجلس، ترى أنّ ضيق الوقت وعدم التوافق السياسي قد يفرضان اللجوء إلى تأجيل تقني محدود، (ليس أكثر من شهرين أي حتى تمّوز المقبل)، ريثما يتمّ التوافق على آلية قانونية متكاملة، وهو ما يفسّر حتى الآن غياب أي مبادرة تشريعية حاسمة رغم اقتراب موعد الاستحقاق.

ولكن هل لا يزال التأجيل خياراً ممكناً لشهرين أو اكثر، تجيب المصادر السياسية، أنّ دعوة الهيئات الناخبة، من الناحية الدستورية، لا تُقفل الباب أمام التأجيل. فالمجلس النيابي يملك صلاحية إقرار قانون يؤجّل الانتخابات لفترة محدّدة ومعلّلة، سواء لأسباب تقنية، لوجيستية أو قانونية.

غير أنّ المصادر نفسها تعتبر أنّ أي تأجيل لا يكون مجدياً ما لم يُستثمر لحسم ملف اقتراع غير المقيمين، وإلّا تحوّل إلى مجرّد ترحيل للأزمة، وفتح الباب أمام استحقاق أكثر تعقيداً في موعد لاحق. من هنا، تخلص إلى القول بأنّ الانتخابات النيابية المقبلة تقف اليوم على حافة فراغ تشريعي مقنّع. فدعوة الهيئات الناخبة حافظت على الشكل الدستوري، لكنها كشفت هشاشة المضمون.

أمّا القرار الحاسم فلم يعد إدارياً، بل سياسياً وتشريعياً بامتياز: إمّا إنتاج تسوية قانونية واضحة خلال أسابيع، أو الذهاب إلى تأجيل تقني مضبوط، أو المخاطرة بانتخابات تُجرى في ظل قانون ناقص التطبيق، وما يحمله ذلك من تداعيات دستورية وسياسية لاحقة.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration