ماذا تفعل أميركا في لبنان؟

ماذا تفعل أميركا في لبنان؟

A- A+



لم يكن السؤال الذي جاء في (أسرار) هذه الصحيفة (29/01/2026): "ماذا تفعل الطائرات العسكرية الأميركية في لبنان؟" سؤالًا تقنيًا أو عابرًا، بل نافذة على سؤال أعمق وأخطر: ما طبيعة الدور الأميركي في لبنان اليوم؟ وهل يقتصر على الدعم الديبلوماسي والعسكري المعلن؟ أم يتجاوز ذلك إلى حضور سياسي – أمني طويل الأمد، تُعبّر عنه رموز ومعطيات لا يمكن تجاهلها، في مقدمها بناء واحدة من أضخم السفارات الأميركية في العالم على الأراضي اللبنانية؟

لطالما أعلنت الولايات المتحدة أن وجودها في لبنان، يندرج في إطار دعم "الاستقرار والسيادة"، ومساندة الجيش اللبناني، وتقديم المساعدات الإنسانية والاقتصادية. لكن القراءة المتأنية لمسار هذا الحضور، ولأدواته وأشكاله، تكشف أن الأمر يتجاوز الخطاب التقليدي، ويدخل في صلب مقاربة أميركية أوسع للمنطقة، يكون فيها لبنان ساحة توازنات وضغوط أكثر مما هو دولة مستقلة القرار.

إنّ التحركات الجوية والعسكرية الأميركية، سواء عبر طائرات استطلاع أو نقل أو زيارات عسكرية غير اعتيادية، لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي المتفجر: الحرب المفتوحة على حدود لبنان الجنوبية، الصراع الأميركي – الإيراني، والملف الإسرائيلي الذي يشكل بوصلة أساسية للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط. في هذا الإطار، يصبح لبنان جزءا من معادلة "إدارة الصراع"، لا من معادلة حله.

أما السفارة الأميركية الجديدة في بيروت، فتمثل بذاتها علامة استفهام سياسية كبرى. فحين تُقام منشأة ديبلوماسية بهذا الحجم والتحصين، في بلد يعاني من انهيار اقتصادي ومؤسساتي غير مسبوق، لا يعود من السهل تسويقها كمجرد مبنى إداري أو قنصلي. السفارة، بحجمها ووظيفتها وتوقيتها، تعكس تصورًا أميركيا للبنان بوصفه موقعًا استراتيجيا طويل الأمد، يتطلب حضورًا أمنيا ولوجستيا واستخباريا دائما.

في تجارب دول أُخر، غالباً ما ارتبط بناء "السفارات القلاع" بمرحلة ما بعد النزاعات، أو بانعدام الثقة بالبيئة السياسية والأمنية المحلية، كما في بغداد أو كابول سابقاً. والسؤال المشروع هنا: هل تنظر واشنطن إلى لبنان كدولة مستقرة ذات سيادة كاملة؟ أم كساحة هشة تحتاج إلى إدارة مباشرة من الخارج؟

لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة قدّمت مساعدات للجيش اللبناني، وإن كانت محلّ نقاش، وساهمت في برامج دعم إنساني، خصوصا بعد الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت. غير أن هذه المساعدات لم تكن يوما منفصلة عن شروط سياسية غير معلنة، أو عن محاولة توجيه القرار اللبناني في ملفات حساسة، أبرزها العلاقة مع المقاومة، والسياسة الخارجية، وخيارات لبنان الإقليمية.

المفارقة هي أن هذا الحضور الأميركي المتنامي لم ينجح في حماية لبنان من الانهيار، ولا في تحصينه من الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ولا في فرض أي مسار جدي لمعالجة أزماته البنيوية. بل على العكس، يبدو أن لبنان يُستخدم ورقة ضغط في مفاوضات أكبر منه، وأن استقراره يبقى رهنًا بتفاهمات لا تُصنع في بيروت.

إن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا تفعل الطائرات الأميركية في الأجواء اللبنانية؟ بل: إلى أي مدى بات القرار اللبناني مكشوفًا أمام نفوذ خارجي متعدد الأدوات؟ وهل تتحول الديبلوماسية، تحت عناوين الدعم والمساعدة، إلى شكل ناعم من الوصاية السياسية؟

إنّ لبنان لا يحتاج إلى "سفارات عملاقة"، بقدر ما يحتاج إلى احترام سيادته، ولا إلى طائرات مراقبة، بقدر ما يحتاج إلى حماية حقيقية من العدوان. وبين الخطاب الأميركي المعلن والوقائع على الأرض، تبقى فجوة واسعة، تفرض على اللبنانيين طرح الأسئلة الصعبة، وعدم الاكتفاء بالإجابات الجاهزة.

ففي بلدٍ صغير بحجمه، كبير بتعقيداته، يصبح كل حضور خارجي بحجم سفارة... مشروع نفوذ.

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration