ظل الليرة في خضمّ تقلّبات عام 2026

شباط 2026 الساعة 23:45
ظل الليرة في خضمّ تقلّبات عام 2026

A- A+

مشهد المطاعم المكتظة خلال الليل في منطقة الجمّيزة، وطوابير خدمة ركن السيارات الطويلة في شوارعها، توحي للمرء أن لبنان تعافى. المشهد يغش الناظر، فمتابعة أرقام المصرف المركزي تُشير إلى أن لبنان ليس في مرحلة تعافٍ، بل في مرحلة توازن هشّ ، وهو مصطلح صاغه خبراء البنك الدولي، لوصف اقتصاد توقف عن الانهيار، لكنه لم يجد بعد قاعدة متينة للنهوض.

وتتسم <متاهة> لبنان حاليا بثلاث نقاط متناقضة: إقتصاد نقدي مزدهر، وقطاع مصرفي متعثر، وسوق ديون سيادية تراهن على المعجزات، وتنتظر بشغف الانتخابات النيابية الوشيكة في شهر أيار المُقبل.

شبح الـ2020 وموت الفائدة

لا بد من إعادة النظر في القرارات الجذرية التي اتُخذت في عام 2020 ، لفهم حالة الركود الراهنة. كان ذلك العام الذي ألغت فيه السلطات اللبنانية فعليًا مفهوم الفائدة. فقد دمرت السلطات المحرك النقدي التقليدي، من خلال سلسلة من القوانين والتعاميم الصادرة عن المجلس النيابي ومصرف لبنان (أبرزها التعميم رقم 536). وقد لجأت إلى تعقيم النظام النقدي، عبر إبقاء أسعار الفائدة قريبة من الصفر، وإلزام الناس بدفع المدفوعات بالدولار الأميركي، مقابل الليرة اللبنانية المتدهورة.

هذه الاستراتيجية كانت استراتيجية للبقاء، تهدف إلى منع تفاقم الفجوة المالية. فقد أدى ارتفاع أسعار الفائدة على الودائع المجمدة، إلى خلق فجوة أصبح من المستحيل سدّها. ومن خلال تصفير أسعار الفائدة، قامت الدولة فعليا بتجميد مشاكلها. بالنسبة للشخص العادي، كان هذا مؤشرًا على أن قرض السيارة ، الذي تم الحصول عليه في عام 2018 ، كان أرخص من سعر <صفيحة بنزين> في عام 2022! أما بالنسبة للنظام المالي، فقد كان ذلك كنهاية الوساطة. لم تعد المصارف بنوكا بالمعنى الحقيقي، بل تحولت إلى خزائن أمانات ذات إجراءات أمنية مشددة.

ميزانية الـ2026 وركود في جنة النمو

بالعودة إلى الوضع الراهن، تُفاجئنا بيانات كانون الثاني 2026 ، بتوقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4% هذا العام. وقد شهد الاقتصاد في العام 2025 نموا نظريا بنسبة 3.5%، إلا أن هذا النمو الظاهري يعتمد بشكل شبه كامل على السياحة والتحويلات المالية، وقطاع خاص يعتمد بدوره بشكل مفرط على الدولار الطازج.

وتتباهى موازنة العام 2026 التي تم إقرارها مؤخرا، والتي تضم أكثر من ألف صفحة من المصطلحات القانونية المعقدة، بمسار خالٍ من العجز. على الصعيد النظري، حقق وزير المالية ياسين جابر المستحيل. ومع ذلك، يكمن جوهر المشكلة في غياب التفاصيل. فالقاعدة المالية شبه مفلسة، إذ تعتمد هذه الموازنة على الضرائب غير المباشرة، أو ما يُعرف بـ<بطاقة الضرائب السريعة>، التي تستهدف الطبقة المتوسطة بشكل غير عادل، بينما تُستثنى منها شريحة واسعة من القطاع النقدي غير الرسمي، الذي يُشكّل أكثر من خمسين في المئة من النشاط الاقتصادي في لبنان.

مقامرة <قانون الفجوة>

يُعدّ مشروع قانون الفجوة المالية، الذي أقرّته الحكومة في أواخر كانون الأول 2025، محور النقاشات الحادة في أروقة البرلمان. ويمثل هذا القانون أول محاولة رسمية، للاعتراف بحجم الفجوة المالية البالغة 70 مليار دولار أميركي. ويقترح القانون تسلسلا هرميا متدرجا للأعباء المالية:

المودعون الصغار (أقل من 100 ألف): تُسدد ودائعهم على مدى أربع إلى سبع سنوات وفقا لما يُسمى بالحماية.

المودعون الكبار: تُحوّل ودائعهم إلى سندات طويلة الأجل قابلة للتداول، بآجال استحقاق تصل إلى 10 أو 20 عامًا.

في الواقع، هناك خطر من ظهور نظام <بونزي> جديد.

فعند إصدار سندات بعائدات مستقبلية، سواء كانت مدعومة بالذهب أم لا، في ظل غياب سوق ائتمان فعّالة، فإننا ببساطة نستبدل نوعا من النقود الوهمية بأخرى.

لماذا ارتفعت أسعار سندات اليوروبوندز؟

ربما يكون ارتفاع أسعار سندات اليوروبوندز هو الأمر الأكثر إثارة للدهشة، بعد إقرار قانون الفجوة المالية في الحكومة. فبعد أن كانت أسعار هذه السندات تُتداول عند 6 سنتات للدولار، منذ إعلان التعثر في آذار من العام 2020، تجاوزت مؤخرا حاجز الـ 30 سنتا.

وبحسب التحليل، فإن السبب يكمن في انتخابات أيار المقبل، حيث يُتوقع فوزا ساحقا محتملا لما يُعرف بـ <الإصلاحيين>. ويأمل المستثمرون أن تستطيع السلطة المُنتخبة الجديدة، التي قد يُعززها استقرار عهد الرئيس جوزاف عون، فتح باب التمويل من صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليارات دولار. ويشير سعر السند البالغ 28.5 سنتا إلى أن السوق يتوقع إعادة هيكلة ناجحة، باحتمالية تتراوح بين 40 و50%. أمّا إذا أسفرت الانتخابات عن فراغ سياسي آخر، فعندئذ ستنخفض الأسعار إلى خانة الآحاد بحلول حزيران المقبل!

معضلة سعر الفائدة:

هل ينبغي رفعه أم لا؟

يتزايد الحديث بين النخب عن دخول العالم مرحلة جديدة في أسعار الفائدة، ربما بعائد 5% على الدولار الأميركي الجديد لجذب السيولة. إن رفع سعر الفائدة في اقتصاد يفتقر إلى ممول، ولم يتمّ فيه إعادة هيكلة القطاع المصرفي، يُعدّ كقنبلة موقوتة، حيث سيخنق هذا الإجراء الاستهلاك الذي يُبقي لبنان صامدا، وهو الذي لا يملك أي وسيلة لحل أزمة السيولة. إن استقرار لبنان المالي والنقدّي في العام 2026 ، يعتمد على ندرة الليرة وليس على جذب الفائدة. ولن يمنع ارتفاع التضخم إلى مستويات ثلاثية الأرقام إلا استراتيجية مصرف لبنان المركزي، المتمثلة في الحفاظ على المعروض من الليرة اللبنانية عند مستوى محدود، أو ما يُعرف بـ<جفاف الليرة> والذي بدأ العمل فيه في آذار من العام 2023.

إستحقاق أيار

لبنان اليوم هو مثال ناجح لاقتصاد هشّ وفشل لمؤسسات الدولة. في المقابل أثبت الشعب اللبناني أنه لا يوجد ما يعجز عنه، وبالتالي فإن سقف النمو البالغ 4% قائم. إلا أنه وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن غياب قطاع مصرفي رسمي، وسعر صرف موحد، لن يسمح بتمويل القفزة الصناعية أو التكنولوجية التي ستُمكن لبنان من التعافي.

في المحصلة، انتخابات أيار المقبل ليست حدثا سياسيا فحسب، بل هي أيضا موعد مالي نهائي. إذا خرج منها لبنان بتفويض إصلاحي، فإن سندات اليوروبوندز ذات الثلاثين سنتا ستكون صفقة القرن بالنسبة لحامليها. وفي حال فشل هذا الأمر، سينهار التوازن الهش، وستتحول المتاهة إلى انهيار حر من جديد. 

Lighthouse
logo
close
سيكون لديك دائمًا ما تتحدث عنه!
من الأخبار العاجلة إلى آراء الكتّاب، مرورًا بنصائح صحية مفيدة, لا لحظة مملة هنا!
دائمًا هناك ما يستحق المشاركة.
illustration